ظهر الحوار وجوبا قبل الإنسان حين أرادته حكمة الله تعالى بخلقه ووجوده، وذلك قصد استخلافه في الأرض، إذا ارتأى أن يعلن في الملأ الأعلى عن إرادته العظيمة تلك التي ما كانت لتستدعي منه إطلاع خلقه بما عزم عليه من أمر، ولكنه لحكمته الوجيهة شاء ترسيخ هذا المبدأ شرعة يحتكم إليها الخلق، حتى لا يبقى هناك مسوِّغ للجمود الفكري، ففسح لهذا الملأ مجالا للمحاورة والاستفسار والتساؤل، حين قالت الملائكة في صوت واحد غايته استطلاع الحِكَم: , أَتَجْعَل فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَالَا تَعْلَمُون -7، واضعا من خلال ذلك الموقف الغيبي أولى مبادئ العلاقات الجوهرية التي ينبغي أن يقوم عليها التواصل الإنساني.
ولئن كان البشر يعلنون عن إرادتهم انطلاقا من دوافع ذاتية لا تخلو أحيانا من غطرسة وتعسُّف غير مسؤول، فإن الله تبارك وتعالى أقام على ملئه الحُجَّة المُفْحِمَة فقط حينما تعذّر عليهم إعلامه بأسماء البشر وصفاتهم، وما هو مطويّ دونهم في مكنون الغيب مما يتعلّق بمصيرهم وطبيعة سلوكهم المقدّر لهم، ليتأسّس الاقتناع التام لدى الملائكة بمجرّد أن أعلمهم آدم بأسمائهم.
وتوسّعت مجالات الحوار فيما بعد بين البشر، لتتجلّى في مواقف دعوة الأنبياء أقوامهم ونصحهم لهم باتّباع سبل الحقّ والرشاد، ومن خلال مقامات الجدل والحِجَاج التي اقتضاها غالبا، ومن خلال حالة الاتصال الربّاني - عبر أساليب الوحي - بأولئك الأنبياء والمرسلين. وقد تجلّى الحوار الكوني في الصور الآتية:
1 -الله ... الملائكة.
2 -الله ... الشيطان.
3 -الله ... المخلوقات الغير إنسية.
4 -الله ... البشر (غالبا الأنبياء والمرسلين) .
5 -الملائكة ... البشر.
6 -البشر ... البشر.
7 -البشر ... سائر المخلوقات.
وهي الأشكال التي وردت في الخطاب القرآني من خلال إفضاءاته التقريرية والتوجيهية والوعظية. ولما تصرّفت أوضاع الحوار في تلك الأشكال والصور، فإن ذلك كان لغاية تمثّل شتى القضايا والموضوعات المتعلّقة بإثبات الحقائق الكبرى التي وقف العقل الإنساني حائرا عاجزا عن فهمها وتحديد طبيعتها الوجودية، وتقدير غائيتها وتحليل أسرارها والتي كان من أبرزها حقائق الإيمان بالله والرسالة والنبوّة والغيب والبعث والقضاء والقدر، فضلا عمّا يتعلّق بمختلف مناحي حياة الإنسان ومصيره ووظيفته فيها، وسائر القضايا التي قام بسببٍ منها جدل عنيف بين النبيّ وقومه.
على أن الباحث"محمد حسين فضل الله"الذي أفرد لهذه الفاعلية الأسلوبية دراسة قيّمة في السياق الإعجازي، وضعها في جزأين، خصّص ثانيهما لتحليل الحوار في القصص القرآني، يستنبط في إطار التصوّر القرآني عناصر خمسة يتعيّن توفّرها في عملية الحوار، هي:
1 -شخصية المحاوِر الذي يباشر عملية الحوار.
2 -شخصية الطرف الآخر المحاوَر.
3 -خلق الجوّ الهادئ للتفكير المستقلّ.
4 -معرفة المتحاورين الفكرة موضوع الحوار.