الصفحة 8 من 15

فهذه الوحدة الحوارية تتضمّن ترقّب المؤمن ورجاءه في العدالة الإلهية كي تبتّ في هذا الصراع بشكل حاسم، وقد صاحب هذا الترقب يقين داخلي في نفس المؤمن، صدّقته المشيئة الإلهية على نحو ما يشير به السياق لاحقا.

لقد وُفّق الحوار في هذا المثل القصصي إلى منتهى حدود التمام في الكشف عن المواقف وتشخيص التصوّرات بشتى دوافعها وتوجّهاتها أخلاقيا وعَقَديا، وإبرازها، والتعبير عن ردود الأفعال، فأسهم في بعث المشاهد أمامنا، وتصوير الوقائع تصويرا حيا نابضا بغرض إحداث أقصى قدر ممكن من التأثير الروحي والوجداني في النفوس، وبالتالي اجتذابهم إلى عقيدة التوحيد، من خلال الإفادة من العبرة التي أخصبها الجدل القائم بين الرجلين، فلا يخفى أثر الوظيفة الحِجاجية في الحوار.

استُهلّ ذكر هذا النبإ القصصي بمطلع حواري ملؤه الإثارة والتشويق: , وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِي حُقُبًا-، وذلك على طريقة الخطاب القرآني في سرد بعض أنباء أو وقائع مجتزأة من قصص الغابرين 20.

إلا أن هذه المحاورة هنا، وإن اقتضت شخصين هما موسى الطرف المرسِل والفتى الطرف المتلقّي، إلا أنها أحادية الجانب، فلم يجر القرآن حديثا للفتى، ذلك أن السياق الإعجازي قصد إطلاعنا من خلال المحاورة بما عزم عليه موسى، فأفسح له المجال بشكل مباشر، كي يفضي بعقده العزم على السفر إلى مجمع البحرين، وأنه لن يحيد عن هذه الغاية، مهما استغرقه المضيّ فيها من وقت طويل، فكانت الغاية من نظم هذا المطلع الحواري إفضائية، تتوخّى إحداث الإثارة والفضول في نفوس المتلقّين، كي يتشوّقوا إلى الإطلاع على التفاصيل اللاحقة.

ولم تكتنف هذه الحوارية المطلع الاستهلالي فقط، بل امتدّت لاكتساح معظم أطراف الخطاب، وقارعت فاعلية السرد ذاتها بشكل محسوس، بل طغت عليها وأزاحتها عن مكانتها الريادية ضمن السرد القصصي القرآني، وبذلك تأتّى لها الاضطلاع بعرض الأحداث والمشاهد السردية، وتصوير المواقف والانفعالات والمقاصد. وتوزّع الخطاب القصصي هنا في نحو ثلاث وعشرين آية قرآنية، شغل فيها السرد بمفرده آيتين فقط هما:

1 -, فلمَّا بلغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيَا حُوتَهُما فاتّخَذَ سَبيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا -.

2 -, فَوَجَدَا عبْدًا من عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رحْمَةً من عنْدِنا وعَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْمًا-.

بينما بلغ عدد الآيات القرآنية التي تماهى فيها السرد مع الحوار خمسا، هي:

1 -, فَلَمَّا جَاوَزَا قال لِفَتَاهُ: آتِنَا غَداءَنَا لقد لَقِينَا من سَفَرِنَا هَذا نَصَبًا-.

2 -, قالَ: ذلك ما كنَّا نَبْغِ، فارتَدّا على آثارِهِمَا قَصَصا-.

3 -, فانطَلَقَا حتّى إذا ركِبَا في السفينة خرقها، قال: ... -

4 -, فانطَلَقَا حتّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فقتَلَهُ، قال: ... -

5 -, فانطَلَقَا حتّى إذَا أتيَا أهْل قريةٍ استَطْعَمَا أهْلَهَا فأَبَوا أنْ يُضَيِّفُوهُمَا

فَوَجَدَا فِيهَا جدَارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قال: ... -

أما الفضاء الخطابي المتبقّي، فهو حواري برمّته، وقد تركَّز امتداده في سبع عشرة آية، إلا أن هذه الحوارية تمظهرت في عدّة مواقف سياقية، يمكن حصرها وإجمالها في مستويين:

-... أولا: الموقف الحواري القائم بين موسى وفتاه أثناء السفر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت