وقد كشف لنا بشكل تدريجي عن الغاية التي عزم موسى لأجلها على السفر، فبعد أن عرفنا من سياق السرد الإلهي أنهما أضاعا الحوت الذي أحضراه معهما، لما بلغا مجمع البحرين، يكشف سياق الحوار عن إحساس الرجلين بالنصب الشديد، الذي يقتضي توقّفهما لتناول الغداء، فما أن يلتمسه موسى، حتى يذْكر الفتى تلك الحادثة المدهشة التي نسي إخباره بأمرها، لينتبه هذا الأخير إلى أن في ذلك الأمر العُجاب تحقّق الأَمارة الإلهية الموعودة للظفر بالعبد الصالح، وهو ما تأكّد.
-موسى: , آتِنَا غَدَاءَنَا لقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصبًا -.
-الفتى: , أَرَأَيْتَ إِذْ آوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ومَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أنْ أذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا -.
-موسى: , ذَلك ما كُنَّا نبْغِ ... -.
فهذا المستوى الحواري ينطوي عن تفاعل إفضائي تجاذب طرفيه موسى وفتاه، وغايته إماطة اللثام عن سرّ هذا السفر نحو غاية وموضع محدّدين، لكن السبيل نحوه مجهول، ففتح لنا الحوار منفذا لمعاينة أطوار هذه المحطة القصصية قصد تمكيننا من المتابعة المباشرة لها، بمنأى عما قد يختزله السرد من حوادث ومواقف، ذلك أن المنحى الحواري أنسب للتبليغ بفضل إيحاءاته النابضة بالحيوية، ولعلّ الغاية من ذلك هي إحداث التأثير في المتلقّين للتجاوب مع المقرّرات العَقَدِية للقرآن.
-... ثانيا: الموقف الحواري القائم بين موسى والخضر:
بعد أن عثر موسى على الخضر، اختفى الفتى، فلا ندري هل واصل رفقته لموسى، ولم يُجْرِ السياق ذكرا له لكونه في حكم التابع لموسى 21، أم تراه قفل عائدا من حيث أتى برغبة منه، أم بطلب من موسى؟ المهمّ أن القرآن أقصى حضوره بعد أن استوفى أداء وظيفته في سياق الأحداث القصصية، وهذه إحدى المظاهر الإعجازية لأسلوب القصص القرآني، أنه يسرد الوقائع بدقّة وتركيز شديدين، وينتقي من الأحداث ما يؤدّي وظيفة لها أثر حيوي ويستغني عن الأحداث الثانوية التي لا تخدم البعد المضموني ولا تعضده.
وهكذا تحوّل مسار الحوار من ثنائية (موسى/ الفتى) إلى ثنائية (موسى/ الخضر) ، بعد أن اكتشفنا الغاية من وراء السفر. وتأسّس هذا المستوى الحواري في أربعة مواقف متباينة:
-الموقف الأول: التقاء موسى بالخضر:
-موسى: , هلْ اتَّبِعُكَ على أنْ تُعَلِّمَني مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا؟ -.
-الخضر: ,إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيع معِي صبرًا. وكيف تَصبِر على مَا لَمْ تُحِطْ بهِ خُبْرًا؟! -.
-موسى: , سَتَجِدُني إنْ شَاء اللهُ صابِرًا ولنْ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا -.
-الخضر: , فإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عنْ شَيْءٍ حتّى أُحْدِثَ لَكَ منْهُ ذِكْرًا -.
فموقف كهذا لحيويته وأهميته في التأسيس للأحداث اللاحقة، وباعتباره منطلقا حاسما لتلك الرحلة العلمية الاستكشافية ذات المحطّات المشهدية الثلاث، لا يسوغ عرضه العرض الحيّ، إلا في قالب حواري يتيح للمتلقّي الانخراط في عمق الأحداث، والتماهي الوجداني في أجوائها.
-الموقف الثاني: خرق السفينة: