الصفحة 4 من 15

5 -أسلوب الحوار 8.

وهذا الحوار بفضل إحكامه الأدائي وأهميته تلك يُعَدُّ أحد المقوّمات التي تأسّست عليها فاعلية القصّ الإلهي المعجز، ولكن ذلك لا يعني أنّه ضروري في كلّ الأنساق السردية القرآنية، فقد تخلُو بعضها منه، مثلما هي الحال في غالب القصص القصار. ويتمدّد حجم الحوار كلما تعدّدت الشخوص في القصص القرآني، واتسمت الأحداث بالكثافة، واحتدم الصراع، على نحو ما نلاحظه لدى تمعّننا لقصص يوسف، وموسى (من سورة طه) ، وآدم (من سورة الأعراف) ، وغيرها ...

والمتتبّع للمسار التطوّري الذي شهده السرد الإعجازي، وفق ترتيب النزول القرآني، يرى بأن هذا القصص عوّل في بدايته على الإشارات المقتضبة الخاطفة التي تخلو من فاعليه الحوار 9، وذلك مراعاة لمقتضيات الغرض الديني الذي وجه هذا القصص، إذ كان يستدعي هنا إثارة الوجدان وإيقاظ الفكر، ليتدرّج الحوار به من الإشارة إلى التفصيل 10.

ولا ينقل الأسلوب الحواري تفاصيل كل ما دار بين الشخوص وإنما ينتقي المقاطع الموحية، والعناصر الحيّة، والقدر المطلوب الذي يفي بالغرض، ويكوّن أعمق مغزى، ثم إنه سلك في التعبير عن الآراء والمواقف والخواطر، أسلوب حكاية أقوال الشخوص وأحاديثهم متوخّيا نقلها نقلا أمينا لا مبالغة فيه، فصاغ معانيها وفق ما يقتضيه أسلوب القرآن، لا على الصيغة التي صدرت فيها، ولو كان المنقول عنهم عربا، حتى يتحقّق الإعجاز البياني للأقوال المحكية، لا لتلك الأقوال 11.

ولعلّ هذا الحوار لم يخرج في مضمونه عن منطق البشر، وعقليتهم، بل نرى بأن الأذهان تستسيغه وتطمئنّ إليه، ولم يكن مما ينفر منه الوجدان، بل تستجيب له المشاعر، بمجرّد أن تتلقّف المعاني التي تنتظمها مبانيه المحكمة، وبذلك فإن الحوار ''محرّك للأحداث، ومصوّر للشخصيات، ومبلِّغ إلى الصراع، ومؤدٍّ إلى الهدف، ومظهِر للمغزى''12.

إن الحوار إذن، تقنية قصصية بها يحتدم الصراع، ويتأزّم الموقف، الأمر الذي من شأنه تفعيل الحيوية والحركة المكثّفة في تضاعيف الخطاب القصصي، ذلك لا شكّ أحد المظاهر الفنية فيه، لكن تصنيفه يتمّ على أساس الأطراف التي تشكّله من خلال علاقة ثنائية تناظرية استبدالية بين عنصرين يتبادلان الكلام مع بعضهما بعضا، وهذا يمثِّل مفهوم الحوار الخارجي بين قطبين 13، ويقابله الحوار الداخلي (المناجاة) الذي قد يصطنعه المرء مع ذاته.

إن الحوار كما يذهب إليه"محمد الدالي": '' سمة من سمات الوحدة الفنية في القصة القرآنية، والمحاورة بين الأنبياء وأقوامهم ضرب من إيضاح الفكرة، وسبيل الغرض الموضوعي، ووسيلة لبلورة الهدف الذي من أجله سيقت القصة، وهو في الحقيقة يكشف عن طبيعة الشخوص، ويوضّح اتجاهاتهم، وما تنطوي عليه نفوسهم'14.

والحوار القصصي في القرآن يقتضي التنوّع الأسلوبي، باختلاف الشخوص، ووفق مواقفهم حتى يكون أبعد أثرا في نفوس سامعيه وترشيدهم بمقرّرات الدعوة التي يبلّغون، ومن هذه الأساليب التي يستخدمها: التقرير والتلقين والمحاجّة والتذكير بالنعم (الترغيب) والتخويف من العقاب (الترهيب) ودحض التبرير وردّ الأعذار والتهكّم والازدراء الصادر من الله إلى الكفار أحيانا، تسفيها لأحلامهم واستخفافا بعقولهم، ومن هؤلاء إلى المرسلين والأنبياء أحيانا أخرى استهزاء بالحقّ والشريعة والإرادة الإلهية، وأسلوب الوعيد الذي يتّبعه غالب الأقوام بغية الترصّد للدعوة 15.

تضمّنت الخطابات السردية الأربعة لسورة الكهف فضاءات حوارية مكثّفة، أسهمت في إغناء تصوير المشاهد والوقائع، وبعث الحيوية في تضاعيفها، وتفعيل الأداء التأثيري الجمالي لحركية السرد فنيا، وبلورة المضامين والأغراض العقدية المتعدّدة والمتنوّعة بلورة محكمة، وتعزير المواقف الاعتبارية المتعدّدة والمتنوّعة، وتبليغ القيم التعليمية الإرشادية النابعة من روح الدين الإسلامي.

استُهِلّ هذا النبأ القصصي بمطلع حواري أُحادي الجانب، على الرغم من أنه يقتضي طرفين: الله بوصفه مصدر الإفضاء السردي، والنبي r بوصفه المتلقّي الأول للخطاب، والوسيط لتبليغه إلى كافّة الناس، وقد قرّر هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت