الصفحة 5 من 15

المطلع الحواري بأن حديث أصحاب الكهف، وإن كان من عجائب الآيات والدلائل بالنسبة للأفق الإدراكي البشري، فإنه ليس كذلك قياسا إلى الأفق الإدراكي الإلهي المتميز بلا محدودية الاطلاع، فهو أمر هيّن في غاية اليُسر، بل هناك من البدائع الكونية الأخرى ما هو أكثر استدعاء للغرابة والعجب من أمر استحضار حديث أصحاب الكهف من غابر العصور، فهذا المطلع الحواري إفحامي ذو غاية استدلالية على عظمة القدرة الإلهية.

ثم ها هو السياق يحكي بعد ذلك دعاء الفتية ربهم بعد أن استقرّ بهم المقام في الكهف، فيقولون في صوت جماعي موحّد، ينِمّ عن حال الرجاء في نصرة الله، والرغبة في الاستظلال بظلّ هديه الرشيد والضراعة إليه: , رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا -.

فمقام الدعاء يقتضي عادة موقفا حواريا أحادي الطرف من مرسِل هو العبد إلى مرسَل إليه أعلى منه رتبة، هو الله جلّ وعلا، الأمر الذي نلحظه هنا، وإن كان لا يقتضي تجاوبا كلاميا من هذا الأخير، بل يفترض استجابة فعلية منه، وهو ما حدث حقّا، لماّ أجابهم سؤلهم بأن ضرب على آذانهم، ونوَّمَهم في الكهف أمدا طويلا، رحمة بهم وحفظا لهم من أذى قومهم، وإبقاء على ولائهم الخالص له في ظلّ عقيدتهم الإيمانية الصادرة عن يقين مطلق، فالحوارية هنا دعائية طلبية.

ثم إن أولئك الفتية قائمون بين يدي ملكهم غالبا، وما يشير بذلك قوله تعالى: , وَرَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ -، فالربط على القلوب يعني تقوية الله لنفوسهم بالشجاعة والصبر على هجر الأوطان والنعيم 16، والثبات على كلمة الحقّ أمام سلطان جائر، سيما أنّهم يجاهرون بإيمانهم أمام الملأ، مسفِّهين عقيدة الشرك التي استحكمت في قومهم استحكاما يتعذّر زعزعته، فاعتقادهم هذا مجرّد افتراء باطل ظلموا أنفسهم به، فالغرض هنا حِجَاجي برهاني يتضمن إقرارا إيمانيا صُرَاحًا، لحال من أقام على الشرك لا يزايله.

وأردف ذلك الموقف الحواري بموقف آخر دون أن يفصل بينهما، وقام هذه المرّة بين الفتية أنفسهم: , وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُم وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُر لَكُمْ رَبُّكُمْ منْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم منْ أمْرِكُم مِرْفَقًا -؛حيث يتباحثون هنا بينهم ما يتعيّن فعله بعد ما افتضح أمرهم، وأنكر القوم منهم إيمانهم بالله، وخروجهم من ملة الأجداد، فالسياق وإن لم يذكر تفاصيل هذه المحاورة، وَأَطراف الحديث المتداول بين الفتية، إلا أنه اجتزأ بذكر الحلّ الذي اهتدوا إليه آخر المطاف، وهو هجرة الأهل وعبادة الأوثان، والإيواء إلى الكهف احتسابا منهم لرحمة الله وعنايته بهم ورجاء في نصرته التي يجدون فيها مرفقا ينتفعون به 17 في مأمن من بطش الملك وأعوانه.

بعد انقضاء المدة المعلومة لرقادهم، هاهي الحياة تدبّ فيهم من جديد، فيستيقظون ويستعيدون وعيهم تدريجيا، ويتكشّف السياق أول ما يتكشّف عن هذا الموقف الحواري:

, - قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: كَمْ لَبِثْتُمْ؟

-قَالُوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

-قَالُوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ ولاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحًَدا. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُم فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا -.

إنهم يستهلُّون الحديث فيما بينهم بالسؤال عن أمد لبثهم بالكهف، على حال النوم، ويظنون أن ذلك لم يتعدّ يوما أو بعض يوم، ولما عجزوا عن تقدير ذلك الأمد، ردّوا العلم إلى الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، لأنه لا فائدة ترجى من زيادة الخوض فيما لم يحصل لهم بشأنه معرفة يقينية، فالحوار هنا يتضمّن إفضاء تعليميا مشبَّعا بقيمة إيمانية دينية هي أصل من أصول العقيدة.

واقتضى الشعور الروحي الذي جمع هؤلاء الفتية وألّف بين قلوبهم أن يكون الحوار صادرا منهم وإليهم في نفس الوقت بصوت واحد، يتعذّر معه التمييز لمن هذا الصوت أو ذاك، فهذا لا يهمّ أمام ما توافقت عليه نفوسهم، فهم شتّى بأجسادهم، وأما تفكيرهم وهاجسهم وهمّهم وإحساسهم فواحد، في مواجهة مصير واحد بعقيدة واحدة في إله واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت