وتسعى المداخلة إلى تَحَسُّس جمالية الأداء في الأسلوب الحواري بالقصص القرآني، من خلال التطبيق على قصص سورة الكهف الأربعة: أصحاب الكهف، والمؤمن وصاحب الجنتين، وموسى والعبد الصالح، وذي القرنين؛ وذلك على اعتبار أن الحوار مقوّم سردي شأن المقوّمات الأخرى، وعليه يتعيّن علينا أن ننطلق من الإشكاليات الآتية: ما طبيعة الحوار القصصي في الخطاب القرآني؟ وما هي مستوياته التواصلية؟ وكيف تتراءى خصائصه الأسلوبية؟ وفيم تتحدّد وظيفته الجمالية؟ وإلى أيّ مدى يمكن له أن يستجيب لضرورات الغاية الحِجاجية؟
التحديد اللغوي: أصل الحوار من الجذر اللغوي (ح و ر) ، ومعناه المجاوبة وردّ الجواب ومراجعة المنطق الكلام في المخاطبة 1، وقد ورد ذلك المعنى في القرآن الكريم:
] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [، المجادلة، الآية الأولى؛ أي: ما جرى بينكما من حديث تجاذبتما أطرافه. وقال عنترة في المعنى نفسه:
فَاِزوَرَّ مِن وَقعِ القَنا بِلَبانِهِ ... وَشَكا إِلَيَّ بِعَبرَةٍ وَتَحَمحُمِ
لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى ... وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي 2
أي: لو أن جواده كان عاقلا يفقه الكلام لأعرب عن شكواه.
التحديد الاصطلاحي: الحوار مقوّم هام في الأسلوب التعبيري الفني وهو عموما حديث يدور بين اثنين على الأقلّ، ويشمل مختلف الموضوعات، أو هو كلام يصطنعه الأديب مع نفسه، أو من ينزله مقامها كربّة الشعر أو طيف شخص ما يفترض وجوده في الواقع كخيال الحبيبة مثلا، ويفشو هذا الأسلوب في الأدب المسرحي، وكذا في أقسام مهمّة من الإبداع الروائي والقصصي، ويفرض فيه التعبير والإبانة عن المواقف، والكشف عن خبايا النفس 3. وقد كان"سقراط"قديما يعتمد في تلقين تلامذته أسلوب الحوار، حيث كان يطارحهم الأسئلة، ويستمع إلى أجوبتهم، ويقوِّم اعوجاج الفاسد منها، مستدرجا إيّاهم من مرحلة إلى أخرى حتى يبلغ بهم الغاية المنشودة 4.
والحوار لم يقتصر في التراث العربي على دائرة الإبداع الحكائي، بل تخطّاها إلى المصنّفات النقدية والأدبية الأخرى نحو ما قد يقع عليه المتصفّح لكتاب الحيوان"للجاحظ"أو كتاب الإمتاع والمؤانسة"لأبي حيان التوحيدي"مثلا، إذ نجد فيها أثرا بارزا لهذا الأسلوب. وقد تأسّست مشروعية الحوار في تراثنا الفكري في كنف الجدل الكلامي الذي احتدم بين الفرق الإسلامية قديما.
وإذا كان الحوار في المسرحية عنصرا أساسيا، فإنه في الخطاب الحكائي عنصرا ثانويا يتخلّل أجزاءه، يلجأ إليه المؤلّفون بغرض التخفيف من كثافة الشرح والوصف والتحليل، والابتعاد عن رتابة السرد، لتمكين القارئ من متابعة مجريات الوقائع بشكل مباشر. وعن أهمية هذا الأسلوب وبعده الأدائي الجمالي في معمارية النصّ الحكائي يقول"محمد يوسف نجم": ''إن امتلاك ناصية الحبكة والأسلوب والحوار ورسم البيئة، وما إلى ذلك من عناصر كتابة القصّة يخلق بنفسه كتابة القصّة ''5. فالحوار هنا مذكور بوصفه مقياسا من المقاييس الفنية التي تُسهم في نجاح الفن القصصي وتألُّقه، وهكذا فإن قيمته لتكمن في التمييز بين الشخصيات والإبانة عن المواقف، واستشراف خبايا النفس، وتطوير الأحداث والربط فيما بينها.
والحوار يجسّد أمامنا الموقف، فنشعر فيه بالحياة المتحرّكة التي تنتقل من موقف إلى آخر، وتعيش فيها الأحداث الماضية من خلال أبطالها الذين نشعر بهم - ونحن مندمجون في القصّة - يتحرّكون أمامنا في أوضاعهم وأدوارهم كما لو كنا حاضرين معهم، ولن يقتصر الموقف على الكلمات التي تنطلق منهم، بل بما يمتد الشعور معنا إلى إحساسنا بالجوّ العام الذي يهيمن على الموقف، وبالمعاني الخفية التي تختفي وراء الكلمات، كما لو كان البطل يتحدّث إلينا 6.