الصفحة 6 من 15

إنها الذوات المتوحّدة والمنصهرة في ذات شمولية كلّية، تتفاعل مع المعطى الواقعي بموقف واحد، فالسياق يبيّن أنهم جميعهم قاموا بِعَزْو علم لبثهم إلى الله، ثم أشار جميعهم أيضا بإيفاد شخص منهم لإحضار الطعام من المدينة، وأوصوه بالتزام التكتّم والتلطّف، والتحلّي بالحيطة والحذر حتى لا يُفتَضح أمرهم، فيصيروا عرضة للبطش بالنفس أو الأذى في الدين.

ثم إن سياق حكاية قولهم لم يعيّن هذا الشخص بذاته، بل اكتفى بقوله (أحدكم) ، ثم إن ذلك القول نُسِب إلى الفتية كلهم، لأنه وإن كان صادرا عن شخص واحد في مستوى المباشرة الإفضائية القولية؛ فإنه من دون شك كان قائما في خاطر كلّ واحد منهم أيضا، وبما أن شخوصهم تحدّدت في نسق جماعي، فإن ذلك يقتضي أن يكون حوارهم جماعيا موحَّدا، فلا مسوّغ هنا لتحديد الشخص الذي أصدر هذا الطلب أو ذاك، بل المهم هو الفحوى الذي تضمّنه.

وصنيع كهذا لا يخلو من مظهر أسلوبي إعجازي، ذاك أنه تم الاكتفاء بتسليط الضياء على لبّها وعصارتها، دون الانصراف إلى التفاصيل الجزئية الخالية من أي فائدة أو قيمة إفضائية، ثم إن هذا المقطع الحواري أكّد قيما إيمانية وخلقية تحلّى بها الفتية كحفظ النفس والحرص على سلامتها من الأذى، واستيفائها حقّها من المعاش الزكي والقوت الحلال ما دامت حيّة تُرزق.

بعد الإعثار على الفتية وقبض أرواحهم، احتدم بين القوم الذين بُعِثوا على عهدهم تنازع حول أمر البناء عليهم، فينهض لتصوير ذلك الموقف هذا المقطع الحواري المتسم بالإيجاز:

,فَقَالُوا: ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَم بِهِمْ. قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدا-.

فالموقف الحواري هنا طرفاه فئتين، لم تتحدّد هوية الأولى تَحَدُّدا واضحا، بينما عرفنا من أمر الثانية أنها الغالبة على الأمر، جاء ليفضي بالخلاف الذي جرى بين الناس من بعد وفاة الفتية، والسياق يقف من خلال هذه المحاورة المقتضبة عند الرأيين الأكثر شيوعا بين اليهود السائلين عن هؤلاء الفتية، دون الالتفات إلى التفصيلات الأخرى التي لا تنطوي على فائدة معينة، وهذا لعضد النبوة بالوحي، وتبكيتا لليهود ودحضا لأي شبهة يرومون أن يطعنوا بها الدعوة، فالقرآن اكتفى هنا بما يؤدّي الغاية الإعجازية في إطار الغرض الديني.

وبذلك جاء الموقف الحواري في غاية الدقّة والتركيز، إذ لم يسترسل في بيان جوانب تفصيلية أخرى لا تتصل اتصالا وثيقا بهذين الافتراضين اللذين كانت الغلبة فيهما -كما نستشفّه ضمنيا - للثاني، لعدّة اعتبارات، منها:

-ورود الفعل (لَنَتَّخِذَنَّ) مؤكَّدا باللام ونون التوكيد الثقيلة.

-إنه الاقتراح الثاني والأخير، والكلمة الأخيرة هي الفاصلة والحاسمة والنافذة عادة.

-أصحاب هذا الرأي هم أصحاب الغلبة على أمر الفتية، أي أنهم إذا أرادوا أمرا لم يتعسّر عليهم، ولم يَحُل بينه وبينهم أحد، كما قيل: , وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ -18.

-تذكر الأخبار أن مَلِكهم وغالبية الناس الذين بُعِثوا على عهدهم كانوا مؤمنين بالله، وما يعضد هذا قوله تعالى حكاية عنهم: , لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا -، ويلزم من هذا أن يؤخذ باقتراح هؤلاء.

يطغى المظهر الحواري هنا على السرد بشكل محسوس، وسنقف عند الاعتبارات التي اقتضت تحقيق هذه المعادلة بعد تبيّن المستويات الحوارية وأطرافها، والمضامين التي انطوت عليها. ويجسّد هذا المثل القصصي في حقيقة الأمر مستوى حواريا واحدا طرفاه رجلان: أحدهما رجل ميسور الحال إلى حدّ أقصى، باجتماع أسباب الثراء لديه، ومع ذلك نجده يصرّ على ظلم نفسه بالكفر والجحود، والثاني رجل معوز قياسا إلى الأوّل، لكنه مؤمن موصول بربّه.

مضى الكافر يكشف عن نوازع الغرور والتكبّر التي غذّتها الأنا في النفس الأمّارة بالسوء وأذكت حدّتها، حتى أحرق لهبها قابلية الاستقامة الفطرية واستعدادات الهداية لدى صاحبها، فراح يستفزّ صاحبه المؤمن قائلا في لؤم ومكر قولته المنكرة تلك. ولكن هذا الأخير لا يعبأ باستفزازه الحقير، واحتمله لكونه متعلّقا بذاته لا بذات الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت