أفق إخباري إفضائي ... أفق إنصاتي تبليغي.
فالله ههنا هو من يرسل إفضاءاته القولية، بينما يكتفي النبي بالإنصات والاستماع المطلق، وفق مقتضيات التلقّي قصد استحضار الوعي التام، إلى غاية تيقنّه انتهاء نزول الوحي، وينهض بعدها للقيام بوظيفته التبليغية، فلا يكون هنا إلا ناقلا لما أُنْزِلَ عليه، إذ لا يملك أن ينقص منه أو يزيد عليه، أو يتصرّف فيه، فالأمر كله لله وحده.
ولعلّ الغرض منها هو عضد الرسالة المحمّدية وتأييدها بشكل يدفع النبي قدما إلى مواجهة المشركين وأهل الكتاب على حد سواء مواجهة حاسمة لا هوادة فيها، دون شعور بأية عقدة نقص أو أي هواجس أخرى كالإحباط مثلا، كما أنه من دون شك كان لمثل هذه الحوارات الخارجية وقعٌ إيجابيٌّ انساب في نفسه وملأها ثقة وعزما وثباتا، الأمر الذي قد يُحْدِث أثرا بالغا في نفوس أتباعه ويعزّز ترسيخ الوازع الإيمائي لديهم، ويبعث في أفئدتهم مزيدا من السكينة والطمأنينة والاستبشار بالنصرة الإلهية، ويحفّزهم لإظهار الحقّ.
وعلى صعيد آخر، فإن هذا التأثير الذي ينعكس على الرسول وأنصاره سيمتدّ ليطال نفوس المعرضين عن مقررات الدعوة، لاسيما تلك التي تتمتع بحظ من الاستعداد الروحي لتقبّل هذه المقرّرات، وذلك بأن يفتح لها منافذ للتأمّل والتفتيش عن الحقيقة، عساها أن تهتدي إلى الإيمان. فغاية السياق الإعجازي من هذه الإطلالات الحوارية إذن، هي تدعيم فاعلية القصّ التأثيرية والإيحائية، وتأكيد المصدر الإلهي لهذه الأخبار التي يحدثهم عنها الرسول - شكلا ومضمونا - وبيان أنها من لدن وحي سماوي، لا قِبَل لإنسي أن يقف على نظائره، مهما بلغت سعة إطّلاعه على موروث أهل الكتاب إلا بمشيئة الله.
1 -ابن منظور، لسان العرب، مادة (حور) .
2 -الزوزني، شرح المعلّقات السبع، تح. عبد القادر الفاضلي، المكتبة العصرية، بيروت، 2002، ص 218.
3 -جبور عبد النور: المعجم الأدبي، ص 100.
4 -المرجع نفسه، ص 100.
5 -محمد يوسف نجم: فن القصة، ص 60.
6 -محمد حسين فضل الله: الحوار في القرآن، ص 18.
7 -البقرة: 30، وما بعدها.
8 -محمد حسين فضل الله: الحوار في القرآن، ص 35، وما بعدها.
9 -ينظر على سبيل المثال سورتي الفجر، الآيات: 6 - 14، والفرقان، الآيات: 35 - 40.
10 -التهامي نفرة: سيكولوجية القصة في القرآن، ص 410.
11 -المرجع نفسه، ص 411.
12 -بكري شيخ أمين: التعبير الفني في القرآن، ص 222.