ثم إنّ ذا القرنين لم يشأ أن يكون أولئك القوم أناسا متواكلين متخلّفين، ديدنهم الاعتماد على الغير، بل أشفق لحالهم، وسعى لإشراكهم في إنجاز السدّ، حتى يستفيدوا من درايته وخبرته وتمرّسه، في حالة ظهور أيّ طارئ آخر، فعلمهم من خلال الحرص على إقحامهم في شتّى مراحل بناء الردم، كيف يعتمدون على أنفسهم مستقبلا، (فأعينُوني بقُوّة .. آتونِي زُبَر الحَدِيد .. انفُخُوا .. آتونِي أُفْرِغ عليهِ قِطْرا .. ) ؛ فغاية تلك الأوامر الصادرة عنه في أثناء إنجاز هذه المهمّة تعليمية محضة، إذا كان ينشد تحفيز هممهم، وانتشالهم من وضع التواني والتقوقع على النفس لدرجة عدم استطاعتهم التواصل مع الآخر: , لا يكَادُونَ يفْقَهُونَ قَوْلًا -.
فالحوارية أفضت هنا عن هذه الحقائق المضمونية لبيان مظاهر الربوبية التي تفرّد بها الله عما سواه، في سلوك هذا الرجل الذي يُعَدُّ مثال الحاكم النزيه التقي، الحريص على ما يحقِّق الأمن والاستقرار في أوساط الأمم المفتوحة. ونفض يديه في الختام، معلنا أن الفضل يعود أولا وأخيرا إلى الله ربّ السماوات والأرض، فلا يغشاه البطر، ولا يداخله الغرور، بل يعزو كل خير يتحقّق على يديه إلى رحمة الله وقدرته، وهذا أمر يشي بأحد المظاهر القوية التي تحلّى بها:
-, هذا رحْمَةٌ من ربِّي فإذا جاءَ وعْدُ ربِّي جَعَلَهُ دكَّاءَ وكَانَ وعْدُ ربِّي حَقًّا-.
ليعلن عبر هذه الومضة الحوارية الخاطفة إيمانه بالبعث في سياق الإخبار بما سيصير إليه حال الردم غداة اقتراب الساعة، فكما أن بناء الردم كان بتمكين من الله، فإن دكّه كذلك سيكون بمقتضى مشيئته التي لا مردّ لها، لكونه آية من آيات اليوم الأخر، فربط من خلال هذا الموقف الحواري بين هذه الحقيقة الناصعة، وبين قيمة ذلك العمل الجبار الذي أقرّ أن مصدره إلهي.
لعلّ أهم ما نستنتجه بعد ذلك هو أنّ الحوار كان في النماذج القصصية الأربعة التي رأينا أمرها وسيلة لتصوير المشاهد والمواقف والانفعالات وعرضها بشكل ينبض بالحياة والحركة، فنراها رأي العين تضطرب أمامنا في سخونتها وحرارتها التي كانت عليها وقت وقوعها.
ولعلّ غاية السياق الإعجازي من فتح تلك المنافذ الحوارية استثارة حدّة الانفعال الروحي والوجداني بنفوسنا، قصد صرف طاقتنا الانتباهية والتركيزية القصوى إلى متابعة الوقائع بمختلف مجرياتها ومعاينة تلك المواقف والانفعالات بشتى منازعها ودوافعها الظاهرية والباطنية، وهذا كله حتىّ نجني في غمرة التأثر العميق جنبا وافرا من المواعظ والعبر ذات البعد الديني والأخلاقي والتعليمي، والتي تقرّبنا من صفوة الإيمان الخالص والهداية الحقّة، فالحوار لازم المواقف القصصية الحاسمة كما رأينا، ليقرّبنا أكثر من الحوادث ذات التأثير الإيماني، الذي يأخذ مأخذه القوّي في النفوس، بغرض تمكين الإقناع الروحي لدى المشركين، وترسيخ اليقين لدى المؤمنين.
إضافة إلى التجليات الحوارية التي رأينا أمرها في سياق الإحالة على تفاعل الشخوص قوليا، معبّرة عن مواقفها وهواجسها وانفعالاتها، فقد اقتضى سرد هذه النماذج القصصية - باستتثناء نبإ موسى والعبد الصالح - مقامات حوارية خارجية عن نطاق الأحداث والوقائع المسرودة، وقد تموقع حضورها في المطالع الاستهلالية لهذه القصص، وفق النحو الآتي:
-, أم حَسِبْتَ أنَّ أصْحَابَ الكَهْفِ والرَّقيم كانُوا منْ آياتنَا عَجَبًا -.
-, وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ... -.
-, ويَسْأَلُونَكَ عنْ ذِي القَرْنَين قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم منْهُ ذِكْرًا -.
كما تمركز هذا الحضور في أثناء نبإ أصحاب الكهف أيضا:
وتَرَى الشَّمْسَ .. وتَحْسَبُهُم أيْقَاظًا وهُمْ رُقُود ٌ .. لو اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ منْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ منْهُم رُعْبًا .. ولَا تقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاِعلٌ ذَلِكَ غَدًا .. رَشَدًا.
وهذه وتلك مقامات حوارية اقتضت جميعها طرفين:
الله (طرف مرسِل) ... الرسول r (طرف متلقّ) .