الصفحة 11 من 15

ونقع عليه في سياق سرد مجريات وقائع الرحلة الأولى التي خاض فيها ذو القرنين مهمّته الحربية في مغارب الأرض، فالله تعالى فوّض لذي القرنين - انطلاقا من علمه الواسع باستقامة سلوكه القيادي، ورجاحة عقله، وأخلاقه وولائه المطلق لربّه - أمر الفصل الحاسم في أولئك القوم الذين لا ندري ما كان من حالهم، لأن القرآن لم يُجْرِ في ذلك ذكرا، مهيّئا له في تلك المهمة خيارين حكيمين، تاركا له حرية التصرف بمقتضاهما:

, - قلنا: يا ذا القرنين، إمّا أن تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا.

-قال: أمَّا من ظلَمَ فسَوفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عذَابًا نُكْرا. وأمّا منْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا فلَهُ جَزَاءً الحسْنَى وسنقُولً له ُمنْ اَمْرِنَا يسْرًا -.

وأما ذو القرنين فيعلن دون تردّد أو ارتباك دستوره في ضوء ذينك الخيارين، فلم يعاند ربه، بل سار على هدي اقتراحه الوجيه سيرا متوثِّبا، مستيقنا نصرته المؤزَّرة له، فهذا الموقف الحواري أتاح لنا فرصة لنعاين من خلالها إحدى أسمى مظاهر فضل الله وكرامته على هذا الرجل الذي يُعَدُّ نموذج العبد المخلص الطاعة لربّه، الذي يمدُّه بأسباب التمكين في الأرض بغية تيسير فعل الخير، وإحقاق الحقّ، ورفع الظلم، ونشر العقيدة الصحيحة الملائمة للفطرة السليمة، وتحكيم شريعة الخالق بين العباد، فأبان الحوار بشكل جليٍّ عن مدى ثقة الله - من خلال هذا الرجل - بمن توفّرت لديهم مثل هذه النوايا المثلى، وهذه العزائم القويّة، كما أكّد لنا إيمان ذي القرنين القوي ويقينه المطلق بربّه على تحقيق إرادته.

-المظهر الحواري الثاني (ذو القرنين ... القوم المتخلِّفون) :

وقد تركّز فحوى هذه المحاورة حول إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض، وحيرة أولئك القوم الذين بقوا عاجزين ما يصنعوه أمام هذا الوضع الكارثي الذي بات يهدّد استقرارهم وأمنهم، والتماسهم من ذي القرنين أن يجعل لهم سدّا لحمايتهم من خطر غارات أولئك الهمجيين.

ولجأ السياق الإعجازي إلى الكشف عن هذا الموقف الحواري، ليجسّد لنا بصورة أوضح أهمية هذه الرحلة واكتنازها بالإشارات الوعظية والتوجيهات التعليمية والقيم الدينية الجليلة المتمثّلة في التأكيد على ربوبية الله عز وجلّ، من خلال تصويره أحد المظاهر الجليّة لتمكينه لعبد من عباده، وقف جهده كلّه لمرضاته وتحقيق إرادته، فتوفّر لديه استعداد للنهوض بأعباء البلاد المفتوحة ورعاية مصالح أهلها، فحظي بمباركة ربّه، بأن آتاه من كل شيء سببا تكريسًا لسلطان عادل، يحرص من خلاله على استتباب الاستقامة والصلاح، وما من شأنه بعث الأمن لدى الرعية.

فأولئك القوم انطلاقا من توسّمهم خصال الشهامة عند هذا الملك وفطنته وصلاحه وعفّة نفسه وترفّعها عن الاستعلاء والابتزاز واستعمال النفوذ للطغيان، يبتدرونه بهذا الالتماس:

-يا ذا القَرنينِ، هَلْ نَجْعَل لكَ خَرْجًا على أنْ تجْعَلَ بَيْنَنَا وبَيْنَهُم سَدًّا؟ فيجيبهم إجابة الشريف الكريم القانع بما قسم الله له، الذي تأبى نفسه التماس الأجر المادي مقابلا لعمله، حتى وإن كان حقّا مشروعا لا حرج في قبوله، المستغني بما آتاه ربُّه من تمكين، وبما ادّخره له من ثواب أخروي: , ما مكنِّي فيهِ ربِّي خَيْرٌ فأعينُونِي بقُوّةٍ أَجْعَلُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت