الصفحة 7 من 15

ولما لم يلمس الكافر أثرا للغيظ في وجه صاحبه، راح يصعّد من حدّة طيشه، متعدّيا هذه المرّة على حدود الله، مفضّلا اللعب على هذا الوتر، عسى أن يظفر بمبتغاه الوضيع وهو إثارة حفيظة المؤمن والاستهتار بمشاعره الروحية: , مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا-، ويصوّر سياق المحاورة هذه الحال أبلغ تصوير من حيث المقابلة بين منتهى التمام الذي حقّقه الله لما اجتمع في الجنتين من نعم وخيرات وزرع وثمار كانت مصدر ثراء هذا الرجل ويسر عيشه، وبين منتهى فظاعة ذلك الظلم العظيم الذي ذمّ السياق به حاله، وكان ذلك عند دخوله الجنة بمعية المؤمن، ولعلّ الغاية من الربط والمقابلة بين هذين الجانبين هي تسليط الضياء على موقف العبرة أمام المشركين المعاصرين للنبي r.

وهكذا تنطوي هذه المحطّة الحوارية على موقف مكابر، يدّعي صاحبه الخلود الأبدي لجنّتيه، يشكِّك في قيام الساعة وبعث الخلائق مع كونها حقيقة عقيدية ثابتة حرصت الرسالات والنبوّات السابقة على ترسيخها في أذهان البشر، ويتطاول على ربه متهكّما ذاهبا إلى أنه سوف يختصّه بمنقلب أحسن من وضعه المادي الدنيوي في حالة إن رُدَّ إلى ربِّه بعد انقضاء الدنيا.

لكن المؤمن ينتفض هنا، وعلى ملامحه سَوْرَة الغضب الحادّ بعد أن بقي هادئا في بداية الأمر، فالموقف هنا في غاية الوقاحة، فلئن صبر عن استفزاز صاحب الجنتين له، وتعييره بالفقر وقلّة النفر من نسل وأعوان، فإنه لم يمسك نفسه ههنا، فالأمر متعلّق بحدود الله التي تخطّاها صاحبه، فينكر منه كفره بالله الذي برَأَهُ من قبل، مذكّرا إياه بمراحل خلقه التي دبّرها بإحكام وكأنّ لسان حاله يقول: كيف يكون منك هذا الشكّ في البعث الذي هو كفر منك به تعالى، وهو الذي قدّر نشأتك منذ أن خلق أباك آدم من تراب، فكان أصلك من أصله أيضا، ثم هيّأك هيئة تعقل بها وتصلح للتكليف؟! أيجوز في العقل مع هذه الحالة إهمال الله لأمرك بعد فناء الدنيا؟!

ولعلّ في هذا القول إيعاز لمّح من خلاله المؤمن إلى الكافر بأن الله تعالى لما قدر على الخلق ابتداء، اقتضى ذلك وجوب الإيمان بأن يكون قادرا على الإعادة. وشنّع المؤمن بعد ذلك موقف صاحبه التشكيكي، فكما أودى به في هاوية العناد، أوقع به أيضا في حبال الشرك بالله، ولعله قصد أن جحوده البعث مصيره إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه، ولا يخفى ما في هذا من تعجيز لقدرته الجليلة، ومن سلّم بعجز الله شبّهه بخلقه، فهو إشراك 19.

فهذا الموقف الذي صدرت عنه محاورة المؤمن موقف إنكاري حجاجي، غايته الاستدلال على إثبات الألوهية والربوبية لله تعالى، انطلاقا من إثبات قدرته على إفناء الدنيا ومتاعها بما فيه جنّة الكافر التي اغترّ بخصبها واكتمال نضج ثمرها الوفير، والنفر الذين استعزّ بهم من دون الله، وكذلك رام تفظيع استهتاره بأصل من أصول عقيدة التوحيد ألا وهو الإيمان بالآخرة.

ينتقل بعد ذلك المؤمن في سياق محاورته إلى بيان ما كان ينبغي على صاحب الجنَّتين قوله وقت دخول جنّتيه، عوض موقفه الاعتقادي الفاسد الصادر عن نفس جاحدة لفضل ربّها، وكافرة مشكّكة في حقيقة راسخة مثل حقيقة البعث قصد استيفاء الجزاء. فهذه الوحدة الحوارية تنبئ عن موقف وعظي إرشادي تذكيري، قصد المؤمن منه نصح الكافر للإقلاع عن عناده، وتدارك زمام أمره قبل أن تفلت منه فرصة الإنابة إلى ربّه عسى أن يظفر بهدايته ومغفرته.

لما استيأس المؤمن من اهتداء صاحبه إلى سبل الحق والرشاد، ووجده مصرًّا على إتباع هواه والانغماس في بطره وتباهيه عليه بكثرة ماله ونسله، رجا ربه أن يقلب حال كليهما: , إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا. فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا -.

إن حالة النقمة والسخط على الكافر لتبلغ ذروتها هنا فموقف الصراع جاوز أقصى الحدود، وباتت أية محاولة إقناعية إرشادية متعذّرة، ذلك أن داء هذا الرجل استفحل، وصار لا يُرجى منه شفاء، ولا ينفع لدفعه دواء، فتضرّع نفس المؤمن بالدعاء إلى ربّها بأن يصلح حالها، وأن يؤتيها خيرا مما أوتي الكافر، وأن يهلك جنّة هذا الأخير عن آخرها بعقاب يرسله من السماء.

ولم يكن ذلك الرجاء ناجما عن حبّه في المتاع العاجل، ولا نكاية في صاحب الجنتين، وحسدا له فيما أوتي، ولكن صدر عن رغبته في تجلية العبرة لصاحبه، حتى يعاين بنفسه فظاعة تصرّفه، وهو في حالة انهيار عسير، ووضع متردّ ملؤه الحسرة والندم، بعد أن عمي عن إدراك العواقب الوخيمة المترتّبة عن زيغه في حال اليسر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت