فهرس الكتاب
... وأيضًا كيف يصح أن يكون الله متكلمًا بكلام يقوم بغيره، ولو صح ذلك، للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوانات، وألا يفرق بين نطق وأنطق ... بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره زورًا كان أو كذبًا، تعالى الله عن ذلك، ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير أعمى، والعكس، ولصح أن يوصف تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان وغيرها.
... أما تمسككم بعموم كل فإن عمومها في كل موضع بحسبه، ألا ترى ... قوله تعالى: { تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } [1] ، ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟، وذلك لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة، وما يستحق التدمير، وكذلك قوله تعالى حكاية عن بلقيس: { وأوتيت من كل شيء } [2] الآية، والمراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام.
... وعلى هذا فالمراد من قوله تعالى: { الله خالق كل شيء } [3] الآية. أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتمًا، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته، لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته عنه [4] .
... وبما أن القرآن كلام الله، وكلامه تعالى صفة من صفاته، إذن القرآن ليس داخلًا في عموم الآية، فهو ليس مخلوقًا، وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الثانية: قال تعالى: { إنا جعلناه قرآنًا عربيًا } [5] الآية.
(1) ... الأحقاف: 25.
(2) ... النمل: 23.
(3) ... الزمر: 62.
(4) ... شرح الطحاوية ص183-186، وانظر فتاوى ابن تيمية ج5 ص54.
(5) ... الزخرف: 30.