فهرس الكتاب
... ذكرنا آنفًا أن المعتزلة أولوا جميع الآيات القرآنية الدالة على الرؤية. ولم يعتبروا شيئًا منها يدل دلالة حقيقية على الرؤية، وأتينا بمثالين من الآيات التي أولوها:
الأول: قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [1] .
... أولوها: بأن المعنى: وجوه يومئذ ناضرة نعم ربها -منتظرة- ونقول هذا التأويل باطل لما يلي:
أ. أن الله تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة، فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لها، وإنما ينتظر ما لم يقع بعد.
ب. تواتر الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيان أن المراد بالنظر هو الرؤية لا ما تأوله المتأولون [2] .
جـ. أن النظر في الآية لا يخرج عن أربعة معاني: إما أن يكون بمعنى الانتظار، وهذا لا يجوز لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير والآخرة لا يكون فيها ذلك لأن الجنة دار نعيم وليست دار تنغيص وتكدير.
... أو يكون بمعنى نظر الاعتبار: وهذا مردود لأن الآخرة ليست بدار اعتبار بل دار ثواب أوعقاب.
... أو يكون بمعنى نظر القلب: وهذا مردود لأن الله ذكر النظر مع الوجه. وإذا بطلت هذه المعاني الثلاثة لم يبق إلا نظر الرؤية [3] .
... وأيضًا فإن حمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع، ولم يرد ما يصرفه عن هذا الظاهر فيتعين. ومما يؤيد أن النظر في الآية نظر الرؤية أن الله أضافه إلى محله: وهو الوجه، وعداه بـ (إلى) الصريحة في نظر العين وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلافه.
... كل هذا يدل على أن المراد النظر الحقيقي وهو نظر العين [4] .
... أما تأويل بعضهم الآية { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ، بأن المعنى لثواب ربها منتظرة، فهذا التأويل أيضًا باطل لما بيناه من أن النظر في الآية نظر الرؤية وليس نظر الانتظار.
(1) ... القيامة: 22.
(2) ... انظر شرح الطحاوية ص209.
(3) ... الإبانة ص13 بتصرف.
(4) ... شرح الطحاوية ص205.