... يمكن للباحث من خلال كتابات عديد من الكُتَّاب، في العقود الماضية، أن يلتمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتاب وآراؤهم، يستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتميز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات. هذه المدرسة -التي وإن لم تتخذ صبغة رسمية- تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوي والآراء التي هي امتداد لما عرف بالمدرسة الإصلاحية وزعماؤها: السير أحمد خان الهندي وجمال الدين الأسد آبادي، ومن بعدهم محمد عبده، في نهاية القرن الماضي، وهي كذلك إحياء للمنهج الاعتزالي في تناول الشريعة، وتحكيم العقل فيما لا يحتكم فيه إليه.
... ويمكن تحديد ما تجتمع عليه آراء تلك المدرسة في كلمة واحدة هي"التطوير"أو"العصرانية"كما تترجم عن الإنجليزية"MODERNISM"وما تعنيه من تناول أصول الشريعة وفروعها بالتعديل والتغيير، تبعًا للمناهج العقلية التي اصطنعها الغرب حديثًا، أو ما تمليه عقليات أرباب ذلك المذهب، التي تتلمذت لتلك المناهج ... ولا يسلم من هذا التطوير أمر من أمور الشريعة كأصول الفقه والحديث أوالتفسير أو مسائل الفقه كالحجاب والطلاق أو تعدد الزوجات، والحدود، أو الطامة التي عرفت بالتقارب بين الأديان.
... على رأس تلك المدرسة السير أحمد خان الهندي، الذي منح لقب"سير"من قبل السلطات البريطانية تكريمًا له، والذي يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يجب أن نستقي منه الشريعة، والأحاديث لا يعتد بها في هذا الشأن لتأخر تدوينها، ولأن أكثريتها أحاديث آحاد لا تفيد يقينًا، كما يحل الربا البسيط في التجارة والمعاملات، ويرفض عقوبة الرجم والحرابة، وينفي شرعية الجهاد لنشر الدين.
... ويُحِلُّ سيد أمير علي -تلميذ أحمد خان- زواج المسلمة من كتابي، والاختلاط بين الرجال والنساء.