... ثم يقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملًا. وقد نصبه الله لحكمةٍ فلو شاء لاجتاز الخلق بغير نصبه، وقد تلمس بعض العلماء حكمًا كثيرة لذلك إلا أنه ينبغى الإيمان التام بأن لله حكمة قد تظهر وقد لا تظهر حقيقتها لأحد، ولسنا مكلفين باستخراج الحكمة وقد كلفنا بالإيمان بكل ما صح ثبوته.
... كما أنه قد ورد في تحديد مسافة الصراط أقوال كثيرة تفتقر إلى دليل من الشرع، فهى من اجتهادات العلماء واستنباطهم، وينبغى معرفة أن المسافة وطولها أو قصرها إنما تعود إلى العمل، فالاجتياز عليه إنما هو بقدر العمل كما ثبت ذلك في عدة نصوص.
... وإنكار الجهمية وغيرهم للصراط ليس لهم ما يتمسكون به إلا شبهات باطلة واستبعاد له، ظانين أن استبعاده في عقولهم يصح أن يكون دليلًا على إنكاره، وبغض النظر عن سرد تلك الشبهات فإن النتيجة واحدة وهى إنكار الصراط، ويكفى في الرد عليهم أن يقال لهم: إنكم تردون أقوال نبيكم - صلى الله عليه وسلم - بمحض الهوى والشبهات، وليس لكم أى دليل، ومن رد أقوال النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد صحة ثبوتها، فلا ريب في خسرانه ومفارقته طريق المؤمنين.
4.إنكار الجهمية للميزان:
... الميزان من أمور الآخرة الغيبية التى يجب الإيمان بها وقد أنكرته الجهمية، والمراد به في الاصطلاح الشرعى: الميزان الذى أخبر الله تعالى عنه في كثير من آيات القرآن الكريم، وأخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الشريفة في أكثر من مناسبة تنويهًا بعظم شأنه وخطورة أمره.
... وهو ميزان حقيقى له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد خيرها وشرها، وقد أخبر الله عنه في القرآن الكريم إخبارًا مجملًا من غير تفصيل لحقيقته، وجاءت السنة النبوية فبينته. يظهره الله في يوم القيامة لإظهار مقادير أعمال الخلق، وقد أجمع المسلمون على القول به واعتقاده.