فهرس الكتاب
وأما ما ذكره المؤرخون في كتبهم عن سلوك الحاكم فلم يكن من خيال، أو أنها وضعت للسخرية بالحاكم، إنما هى أفعال اعترف بها داعيته ونبيه، وأثبتها في الكتب المقدسة التى يدين بها من اعتقدوا ألوهية الحاكم، فنحن إذن مضطرون إلى أن نصدق المؤرخين في معظم تلك القصص التى أوردوها عن الحاكم ولا سبيل إلى إنكارها.
لاهوت المعبود وناسوته:
لعل أهم عقيدة نراها في كتب ورسائل حمزة بن على أن للحاكم -بأمر الله- حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام، ولا تعرف بالرأى ولا بالقياس، ومهما حاول الإنسان أن يفكر فيه لمعرفة كنهه، فهو يحاول محاولة فاشلة، لأن لاهوته ليس له مكان، ولكن لا يخلو منه مكان، وليس بظاهر، كما أنه ليس بباطن.
ولا يوجد اسم من الأسماء يمكن أن يطلق عليه، لأنه لا يدخل تحت الأسماء، إذ لا يتصف بصفات ولا يمكن التعبير عنه بلغة من اللغات، فهو ليس مجسم ولا بشخص وليس بشبح وليس بصورة، فلا يقال عنه أنه جوهر أو يقال أنه عرض.
ولا أقول أنه شىء فيكون محمولًا عليه، ولا هو في شىء فيكون محاطًا به، ولا متعلق بشىء فيكون قد التجأ إليه.
فالمعبود على هذا النحو ليس له أحد، وهو واحد لا يشبه الكائنات في شىء، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا -ولم يلد ولم يولد- لا تنسب إليه حركة ولا راحة، وهو البداية والنهاية. فإذا تحدث عنه محدث ووصفه بصفة ما، فإنما يقول ذلك ضرورة وتقريبًا للعقول والأفهام، لعجز المتحدث عن الوصول إلى حقيقة المعبود.
فإذا قال مثلًا: أنه تعالى بارئ كل شىء، ومكون كل شىء، وأنه معل علة العلل القديم الأزل. فلا يقال ذلك عن حقيقة المعبود، لأن حقيقة المعبود نعجز عن الوصول إليها.
وهكذا جرى ذكر التوحيد في كتب الدروز المقدسة. وحديثهم عن لاهوتية المعبود يتفق تمام الاتفاق مع ما ورد في كتب الدعوة الفاطمية عن الله سبحانه وتعالى.