... وأنا أستبعد -حسب رأيى- أن يقع الحال على ما ذكر، وقد أخطأ بعض الكتاب حينما نبز الصحابى الجليل أبا موسى الأشعرى رضى الله عنه بأنه ما كان مخلصًا لعلىّ ولا كان على جانب من الذكاء والفطنة، وأنه لم يكن أهلًا للمفاوضة ولا كفأ لعمرو ابن العاص إلى آخر ذمهم له، بما يتنافى مع الأدب الواجب لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولقد كان أبو موسى من خيرة الناس عقلًا وعدلًا ونصحًا للمسلمين، فليس هناك دليل على صحة وصفه بهذه الأوصاف القبيحة من عدم الذكاء والنصح، مع ما له من السبق في الدين وشرف الصحبة والسفارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن وتوليه ... أمر القضاء وولايته لعمر على العراق، وهى أمور تشهد بفضله ورجاحة عقله.
... ومن المؤسف أن كثيرًا من كتاب المسلمين ومؤرخيهم قد انخدعوا بدس الرافضة في رواياتهم التى تطعن في فضلاء الصحابة في تصريحاتهم أو تلميحاتهم، مما يتوجب على من أراد الخير والحق أن يتثبت من صحة تلك الروايات التى ملئت بها كتب الرافضة وسرت إلى كتب بعض أهل السنة عن حسن ظن منهم بصحة تلك الروايات.
... والواقع أن ما أوردته هنا من أن عليًا قبل التحكيم مكرهًا إنما هو متابعة لما كتبه علماء الفرق وأهل التاريخ، وإلا فإن في النفس شكًا كبيرًا في صحة ذلك، فإننى أستبعد أن تكره تلك الشرذمة عليًا وجيشه على قبول أمر لم يكونوا مقتنعين به وأن يفرضوا عليه ما أرادوه.
... على أن ما يذكره أولئك الكتاب بعد ذلك عن صلابة أمير المؤمنين على في الثبات على قبول التحكيم، إنما هو دليل واضح على اقتناعه به، كما أستبعد أيضًا أن يكون اختيار على لأبى موسى على كره منه له أيضًا، فهذا قول سخيف، إذا لا يقبل أى شخص أن يفاوض باسمه إلا من ارتضاه وإلا كان أحمق، وحاشا علىٌ من ذلك، خصوصًا وأن المفاوضة هى على أمر له ما بعده في مجرى حياة الناس، فكيف يجبر الحاكم -خصوصًا مثل على رضى الله عنه- على هذا الضيم؟!