الصفحة 52 من 128

لَمْ يَسَعْهُ مُنَاظَرَتُهُ, لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ قَوْلَهُ, وَيَنْصُرَ مَذْهَبَهُ, وَلَوْ أَتَاهُ بِكُلِّ حُجَّةٍ مِثْلِهَا يَجِبُ أَنْ يَقْبَلَهَا, لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ, وَنَصَرَ قَوْلَهُ.

وَمَنْ كَانَ هَذَا مُرَادَهُ لَمْ تُؤْمَنْ فِتْنَتُهُ, وَلَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبُهُ. وَيُقَالُ لِمَنْ مُرَادُهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الْمُغَالَبَةُ وَالْجَدَلُ: أَخْبِرْنِي, إِذَا كُنْتُ أَنَا حِجَازِيًّا, وَأَنْتَ عِرَاقِيًّا, وَبَيْنَنَا مَسْأَلَةٌ عَلَى مَذْهَبِي, أَقُولُ: إِنَّهَا حَلَالٌ, وَعَلَى مَذْهَبِكَ إِنَّهَا حَرَامٌ, فَسَأَلْتَنِي الْمُنَاظَرَةَ لَكَ عَلَيْهَا, وَلَيْسَ [مرادك] فِي مُنَاظَرَتِكَ الرُّجُوعُ عَنْ قَوْلِكَ, وَالْحَقُّ عِنْدَكَ أَنْ أَقُولَ فِيهَا قَوْلَكَ, وَكَانَ عِنْدِي أَنَا أَنْ أَقُولَ, وَلَيْسَ مُرَادِي فِي مُنَاظَرَتِي الرُّجُوعَ عَمَّا هُوَ عِنْدِي, وَإِنَّمَا مُرَادِي أَنْ أَرُدَّ قَوْلَكَ, وَمُرَادُكَ أَنْ تَرُدَّ قُولِي, فَلَا وَجْهَ لِمُنَاظَرَتِنَا, فَالْأَحْسَنُ بِنَا السُّكُوتُ عَلَى مَا تَعْرِفُ مِنْ قَوْلِكَ, وَعَلَى مَا أَعْرِفُ مِنْ قُولِي, وَهُوَ أَسْلَمُ لَنَا, وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَعْمِلَهُ.

فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: لِأَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ أُخْطِئَ الْحَقَّ, وَأَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ, وَلَا أُوَفَّقَ لِلصَّوَابِ, ثُمَّ تُسَرَّ بِذَلِكَ, وَتَبْتَهِجَ بِهِ, وَيَكُونَ مُرَادِي فِيكَ كَذَلِكَ, فَإِذَا كُنَّا كَذَلِكَ, فَنَحْنُ قَوْمُ سُوءٍ, لَمْ نُوَفَّقْ لِلرَّشَادِ, وَكَانَ الْعِلْمُ عَلَيْنَا حُجَّةً, وَكَانَ الْجَاهِلُ أَعْذَرَ مِنَّا""

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ:"وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ رُبَّمَا احْتَجَّ أَحَدُهُمَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَصْمِهِ, فَيَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ, كُلُّ ذَلِكَ يَخْشَى أَنْ تَنْكَسِرَ حُجَّتُهُ, حَتَّى إِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَقُولَ بِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتَةٍ, فَيَقُولَ: هَذَا بَاطِلٌ, وَهَذَا لَا أَقُولُ بِهِ, فَيَرُدَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَايِهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَجُّ فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ, فَيَرُدُّ عَلَيْهِ خَصْمُهُ ذَلِكَ, وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا يَحْتَجُّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت