الصفحة 55 من 128

وَحْدَهُ, وَحَشَتُهُ مِمَّنْ يَشْغَلُهُ عَنْ رَبِّهِ, إِنِ ازْدَادَ عِلْمًا خَافَ تَوْكِيدَ الْحُجَّةِ, مُشْفِقٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ, هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ عَنْ مَوْلَاهُ, وَفِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِقْهُ, لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا أُمِرَ بِهِ, مُتَأَدِّبٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ, لَا يُنَافِسُ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي عِزِّهَا, وَلَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا, يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا بِالسَّكِينَةِ, وَالْوَقَارِ, وَمُشْتَغِلٌ قَلْبُهُ بِالْفَهْمِ وَالِاعْتِبَارِ, إِنْ فَرَغَ قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَمُصِيبَةٌ عِنْدَهُ عَظِيمَةٌ, وَإِنْ أَطَاعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ حُضُورِ فَهْمٍ فَخُسْرَانٌ عَنْهُ مُبِينٌ, يَذْكُرُ اللَّهَ مَعَ الذَّاكِرِينَ, وَيَعْتَبِرُ بِلِسَانِ الْغَافِلِينَ, عَالِمٌ بِدَاءِ نَفْسِهِ, وَمُتَّهِمٌ لَهَا فِي كُلِّ حَالٍ, اتَّسَعَ فِي الْعُلُومِ, فَتَرَاكَمَتْ عَلَى قَلْبِهِ الْفُهُومُ, فَاسْتَحَى مِنَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَشُغْلُهُ بِاللَّهِ فِي جَمِيعِ سَعْيِهِ مُتَّصِلٌ, وَعَنْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٌ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ لِهَذَا النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَّ بِهِ الْعُلَمَاءَ, وَوَصَفْتَهُمْ بِهِ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ, أَوْ أَثَرٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ, وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 108]

أَفَلَا تَرَى, رَحِمَكَ اللَّهُ, كَيْفَ وَصَفَ الْعُلَمَاءَ بِالْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت