الصفحة 16 من 24

والحديث الرابع عشر:

حديث قتادة عن أنسٍ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الميِّت إذا دفن أنَّه يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ إذا ولَّوا عنه مدبرين [خ¦1338] [1] ، وذكرتَ قول عائشة حين ذُكِرَ لها حديث أهل القَليب أنَّها نزعتْ لقول الله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] .

فالجواب أنَّ حديث قتادة عن أنس هذا صحيح، ومعناه أنَّ الميِّت تُرَدُّ إليه روحه فيُسأل في قبره عن ربِّه وعن دينه ونبيِّه، ويأتيه الملكان الفتَّانان اللَّذان يَفتن اللهُ بهما المرتابين، ويثبِّت المؤمنين، وإذا رُدَّت عليه روحه؛ لم ينكر عليه سماع المنصرفين مِن دفنه، وهذا لم نقله من جهة قياسٍ ولا إعمال نظرٍ، وإنَّما قلناه اتِّباعًا للآثار المتواترات، المنقولة على ألسنة الجماعات الثِّقات، الذين تناءت أوطانهم، وبعُدَت ديارهم، واختلفت أهواؤهم، كلُّهم ينقل في فتنه القبر آثارًا صحيحةً من جهة النَّقل لا يدفعها إلَّا مبتدع رادٌّ للسُّنن، وليس من أئمَّة المسلمين وفقهائهم وحملة الآثار منهم من الصَّحابة والتَّابعين [/ص 64/] ومن بعدهم أحدٌ ينكر فتنة القبر، فلا وجه للاشتغال بأقاويل أهل البدع والأهواء المضلَّة.

وقد رُوي عن جماعة من المفسِّرين العالِمين بتأويل القرآن من الصَّحابة والتَّابعين أنَّهم أوَّلوا في عذاب القبر آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله عزَّ وجلَّ: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [2] } [التوبة: 101] ، قالوا: المرَّتان: القتل وعذاب القبر، قال بعضهم: الجوع وعذاب القبر، ومنها قوله عزَّ وجلَّ: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] ، قالوا: العيش الضَّنك: عذاب القبر، ومنها قوله عزَّ وجلَّ: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] قالوا: أنزلت هذه في عذاب القبر.

وقد رُوي من حديث البراء عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث مرفوعٌ بمثل ذلك، وأمَّا الآثار عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر؛ فلا تكاد تحصى بعددٍ تواترًا واشتهارًا وصحَّةً، وكذلك هي عن الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍ كثيرةٌ شهيرةٌ يجب الاستناد إليها؛ لأنَّه لا يجوز على جماعتهم الغلط في تأويل قول الله عزَّ وجلَّ: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11] ، وكلُّ مَن تكلَّم في تفسير القرآن من السلف [/ص 65/] في هذه الآية وغيرها يقرُّ بفتنة القبر ويؤمن بها ويرى الآثار فيها، وهم أهل العلم بالقرآن ولسان العرب ومراد الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا حديث القليب؛ فهو ثابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من حديث أنس عنه: أنَّه وقف على كفَّار قريشٍ: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبي جهل بن هشامٍ، وأشياعهم، وهم أهل القليب، فناداهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقًّا؟ فإنِّي وجدت ما وعدني ربِّي حقًّا» ، فقال له أصحابه: يا رسول الله؛ أتنادي قومًا قد جَيَّفوا؟ فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لِمَا أَقُولُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيْعُون أَنْ يُجِيبُوا» [م: 2874] ، فأخبر صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّهم سمعوه، وقد يحتمل أن يكون وقوفه عليهم ونداؤه إيَّاهم كان في الوقت الذي تُرَدُّ فيه الروحُ في القبر إلى من يُسأل عن ربِّه ودينه، وقد أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ المنافق هو في الدرك الأسفل من النار يُسأل عن ذلك، فغير نكير أن يُسأل عن ذلك، أو بعضه، أو ما يشبهه من جحدٍ بآيات الله واستَمَعَتْها نفسُه من كفَّار قريش وغيرهم، وقد ثبت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ اليهود تُعذَّب في قبورها [/ص 66/] وسائر الكفَّار في القياس مثلهم.

وقد يمكن أن يكون أَمْرُ أهل القليب خصوصًا بهم، خُصُّوا بردِّ أفهامهم إليهم ففهموا عنه عليه السَّلام، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما أنتم بأسمع منهم» ، وهو عليه السَّلام لا يقول إلَّا حقًّا، وليكن هذا لمن يكون على مذهب مَن يقول: إنَّ الأرواح على أفنية القبور ولم يكن لهم قبر إلَّا القليب، فكانت أرواحهم تسمع ذلك وإن لم تُرَدَّ إلى أجسادهم، أَلَا ترى إلى سلامه عليه السَّلام على أهل المقبرة، وقوله عليه السَّلام: «السَّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين» .

ويمكن أن يكون معناه ما لا ندركه نحن، ولم نؤتَ من نوع هذا العلم إلَّا قليلًا على إبانة مِن الله عزَّ وجلَّ، فإنَّ ما صحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا تُضرب له الأمثال، ولا يدخل عليه المقاييس، فلا يؤمن عبدٌ يجد حرجًا في نفسه من قضاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فهو العالم بمراد الله عزَّ وجلَّ، وبه علمنا ما علمنا، وإنَّما بُعث إلى أمَّته وهي لا تعلم شيئًا، جزاه الله عنها بأفضل ما جزى نبيًّا عن أمَّته.

وقد أنكر أهل العلم المناظرة في مثل هذا ممَّا قد صحَّ به الأثر، واشتهر به الخبر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقالوا: لا شيء في هذا إلَّا التسليم، وأباحوا كلُّهم [/ص 67/] المناظرة فيما تحته عمل من الأحكام التي شُرِع فيها القياس والتمثيل.

وأمَّا قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] ؛ فليس فيه -والله أعلم- ما يدفع شيئًا ممَّا ذكرنا، ويجوز أن يكون معناه: وما أنت بمستجيب لك مَن في القبور، وكذلك هؤلاء لا يستجيبون، وأنَّهم كهم في عدم الاستجابة، ولا عليك أن يجيبوا [3] إنَّما عليك أن تُسمعهم وتُبلِّغهم، إنَّما أنت نذير، فهذا معنى قوله والله أعلم: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ*إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر: 22 - 23] .

ومعلوم أنَّ هذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للكفَّار، وقد علمنا أنَّه يُسْمِعُ الكفَّار بدعائه إيَّاهم إلى الإيمان ولم يعدم منهم السمع، ولو عُدموا السمع لارتفع عنهم التكليف، إنَّما عُدمت منهم الاستجابة، فمعنى قوله والله أعلم: {وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] وما أنت بمستجيبٍ لك من في القبور، ومثل هذا قوله عزَّ وجلَّ: {إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى [يَبْعَثُهُمُ اللّهُ] } [الأنعام: 36] ، وقوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ} [الأحقاف: 5] ، وقد يكون (سمع) بمعنى: أجاب، كقوله: سمع الله دعاءك، وسمع الله لمن حمده، يريدون [/ص 68/] أجاب الله دعاءك وحمدك -والله أعلم بما أراد بقوله ذلك- وهذا خارج على أصول السُّنَّة ولسان العرب، وبمثل هذا أباح العلماء تأويل القرآن، وهذا الذي حضرني من الجواب فيما سألتَ عنه، فإن أنكرتَ شيئًا من قولي، وبان لك إنكاره، فلا تعجل حتَّى تخاطبني بما ظهر إليك ليقع عليه جوابي، ويقرَّ الحقُّ مقرَّه، وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت