هي المسألة التي ختمتَ بها كتابكَ وزعمتَ أنَّها من معضلات المسائل، وقلتَ: إنَّا تنازعنا في رؤيا الأنبياء عليهم السَّلام إنْ كانت كلُّها وحيًا، وهل يجوز فيها الضَّغَثُ؟
وقلتَ: احتجَّ من جوَّز الضَّغَثَ فيها بحديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقَولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، وَأَكَشَفُ الثَّوْبَ، وأَقُوْلُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» . [خ¦5125]
فقال المعترض: كيف يقول النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» وهو يعلم أنَّ رؤيا الأنبياء عليهم السَّلام [/ص 101/] كلُّها وحيٌ، وأنَّها من عند الله.
واحتجَّ أيضًا بحديث نوم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن صلاة الصُّبح في سفره حتَّى طلعت الشَّمس، واحتج برؤيا يوسف عليه السَّلام: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] ، قال: فلو كانت رؤيا الأنبياء كلُّها حقًّا ما قال: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] .
قلتَ: واحتجَّ عليه مَن خالفه ولم يجوِّز على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الضَّغَث في رؤياه بقولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ» ، وبقوله: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافّات: 102] ، واحتجَّ أيضًا بقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» ، قال: ولو كان هو وغيره سواء [1] .
فأفتنا بالصواب مأجورًا إن شاء الله تعالى.
فالجواب: أنَّ الصحيح عندنا في هذه المسألة ما قاله ابن عبَّاس: «رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ» ؛ لأنَّه قد روي عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «إنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِياءَ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوْبُنَا» ، وما نزع به ابن عبَّاس من كتاب الله قوله تعالى: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102] ، فجعله مأمورًا من ربِّه بما أراه في منامه.
وفي الحديث المأثور [في] الذبيح: أنَّ إبليس لمَّا اعترض إبراهيم في مسيره بابنه إلى الذبح [/ص 102/] قال له إبراهيم: «إنَّ ربِّي أَمَرَني بذلك» ، فهذا كلُّه يعضِّدُ قولَ ابنِ عبَّاس: «رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ» ، ولا أعلم لابن عبَّاسٍ في ذلك من الصحابة مخالفًا.
وأمَّا ما نَزَعَ به المُخالِف من حديث عائشة: «إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» ، فالجواب عن ذلك أنَّ تلك الرؤيا كانت بمكَّة قبل المبعث، ومن قول يوسف صلَّى الله عليه وسلَّم: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100] فلا حجَّة له فيما نزع به من ذلك بما ظنَّه من تأويلها، وقد كان يوسف رآها وهو غلامٌ، وأمَّا احتجاجه بنوم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في سفره عن صلاة الصُّبح حتَّى طلعت الشمس؛ فجهلٌ وعيٍّ وغَباوة؛ لأنَّه ليس من هذا الباب في شيءٍ، وإنَّما هو من باب قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» ، وفي حديث آخر: «إِنِّي أَنْسَى [2] -أَوْ: أُنَسَّى- لِأَسُنَّ» شكَّ المُحدِّث، وكان نومه في سفره ذلك ليقع بيانه في أنَّ النَّاسي لا يسقط عنه من الصلاة ما فرض عليه، وأنَّ النَّائم وإنْ كان القلم عنه مرفوعًا فإنَّ فرض الصَّلاة غير ساقط عنه، وليس لأمَّته ذلك عملًا وقولًا، كما سكت عن السائل عن وقت الصَّلاة حتى أراه العمل أوَّل وقتها وآخره كما قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وقال في حجَّته: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، ليقع البيان [/ص 103/] منه عملًا كما كان يقع منه قولًا، قال الله عزَّ وجلَّ مخاطبًا له صلوات الله وسلامه عليه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
فهذا باب ليس من الباب الأوَّل، والله سبحانه وتعالى أعلم الموفِّق للصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ، وآله، وأزواجه، وأصحابه، صلاةً دائمةً بلا انقضاء ولا نهاية.
الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده. [/ص 104/]