الصفحة 3 من 24

الحديث الأول:

أوَّلها: حديث أَبِي شُرَيْحٍ إِذْ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ ... ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا؛ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ قد عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ؛ كَحُرْمتِهَا [/ص 3/] بِالْأَمْسِ، فلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» ، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [خ¦104]

فقلتَ: ما معنى قوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» ، وقوله: «قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» ، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم قد أمر بقتل ابن خَطَل، وقتل الفواسق [1] ؟

فالجواب وبالله العون:

إنَّ قوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» إخبارٌ أنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّمها، قال الله عزَّ وجلَّ: {إنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل: 91] ، فلا سبيل إلى استحلاله لمن اتقاه، إلَّا بإذنٍ من الله الذي له ملك السَّموات والأرض، يمحو ما يشاء ويثبت، ويُحلُّ ويُحرِّم، ويُغني ويُفقر، ويُحيي ويميت؛ ابتلاءً واختبارًا، لا بَدَاءً كما قالت اليهود لعنها الله، ولكن لمصالح العباد واختبارهم؛ ليبلوهم أيُّهم أحسن عملًا، وأيُّهم ألزم لما أَمر به ونهى عنه؛ ليقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن الله الذي حرَّم مكَّة -تبارك اسمه- لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أَذِنَ فيه من القتال، ثمَّ أخبر صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّها عادت إلى حالها، وبه عرفنا تحريمها أوَّلًا وآخرًا، ولا علم في مثل هذا إلَّا ما قَرَعَ السَّمع؛ لأنَّه لا مدخل للعقل في الشَّرع، [/ص 4/] ولم تختلف فِرقُ الإسلام على اختلافها في كثير من الدِّين والأحكام أنَّ النسخ في مثل هذا جاء به من الأمر والنَّهي، وأنَّ البَدَاء لا يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلَّا كافر، وأغنى عن القول في ذلك، وقد رُوي عن ابن عبَّاس وغيره رضي الله عنهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نحو حديث أبي شُريح هذا: «إنَّ الله حرَّم مكَّة» .

وقوله: «لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإنَّمَا أُحَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» [خ¦112] ، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أيضًا: «إنَّ هذا بلدٌ حرامٌ، حرَّمه اللهُ يومَ خلق السَّماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحلُّ القتال فيه لأحدٍ قبلي، ولا يَحِلُّ لأحدٍ بعدي، ولم يحلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ» ، والأحاديث في هذا كثيرةٌ، وقد روى ابن عمر وابن عبَّاس وأبو بكرة وعمرو بن الأحوص وجابر وغيرهم رضي الله عنهم بألفاظٍ متقاربةٍ ومعنًى واحد: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطبهم في حجَّة الوداع وقال: «أَلَيْسَ هَذَا الْبَلَدَ الْحَرَامَ؟» قالوا: نَعَمْ، [قال] : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِيْ شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» .

وروى يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال يوم الفتح: [/ص 5/] «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَم تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ولَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِيْ، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... » وذكر الحديث [خ¦112] .

وفي قوله: «وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» أيضًا دليلٌ واضح على أنَّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» [خ¦2889] -يعني: المدينة- ليس على ظاهره، وهو حديثٌ رواه مالك عن عَمرو بن أبي عَمرو عن أنس، وعَمرو بن أبي عَمرو من شيوخ مالك، وليس بذاك القويِّ عند بعضهم، ومعناه عندي -والله أعلم-: أنَّ إبراهيم عليه السَّلام أَعْلَمَ بتحريم مكَّة، وعُلِمَ أنَّها حرامٌ بإخباره، فكأنَّه حرَّمها؛ إذ لم يُعْرَف تحريمها أوَّلًا في زمانه إلَّا على لسانه، كما أضاف عزَّ وجلَّ تَوفِّي النفوس مرَّةً إليه بقوله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ} [الزمر: 42] ، ومرَّةً إلى ملك الموت بقوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [النحل: 28] ، وجائزٌ أن يُضاف الشيء إلى مَن له فيه سببٌ في كلام العرب، ويحتمل أن يكون معناه: إنَّ إبراهيم مَنَعَ مِن الصَّيد بمكَّة والقتال فيها، ونحو ذلك، وإنِّي أمنع من مثل ذلك في المدينة، والتَّحريمُ في كلام العرب: المنعُ. [/ص 6/] تقول العربُ: حرَّمتُ عليك داري؛ أي: منعتك من دخولها، وقال الله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} [القصص: 12] ، وموسى صغيرٌ لا تلحقه عبادةٌ، وإنَّما أراد: منعناه قَبول المراضع، وكما يدلُّ أيضًا أنَّ الله حرَّم، وليس إبراهيم الذي حرَّمها؛ كما روى عَمرو عن أنس قول عمرَ ابن الخطاب رضي الله عنه لعبد الله بن عيَّاش بن أبي ربيعة: أنت القائل: لَمَكَّةُ [2] خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ؟ فقال له: هِيَ حَرَمُ اللهِ وَأَمْنُهُ وَفِيهَا بَيْتُهُ، فقال عمر: لَا أَقُولُ [فِي] حَرَمِ اللهِ [وَلَا فِي بَيْتِهِ] [3] شَيْئًا. [ط: 3327] ولم يقل له: لا تقل: حرَّم الله، وحرَّم إبراهيم.

وفي حديث مالك وغيره عن سُهيل بن [4] أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم: «اللهُمَّ؛ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ دَعَاكَ لِمَكَّةَ» [م: 1373] ، وهذا أولى من رواية من روى: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّم مَكَّةَ» .

وقد ثبت بالآثار الصِّحاح عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ مكَّة حرَّمها الله ولم يحرِّمها النَّاس، وإنَّها بلدٌ حرامٌ، حرَّمه الله يوم خلق السَّموات والأرض، وهذا مشهورٌ صحيحٌ عند أهل الأثر وجماعة أهل السِّيَر، فلا وجه لما خالفه من الرواية، على أنَّها ليست بالقويَّة، ولو صحَّت؛ لكان معناها ما ذكرنا، والله أعلم.

وفي قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ» تعظيمٌ [/ص 7/] منه لحرمتها.

وفيه -والله أعلم- دليلٌ على أنَّ ما حرَّم الله في كتابه نصًّا متلوًّا أو خبرًا عن الله صحيحًا كان أقوى من تحريم الأنبياء عليهم السَّلام المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم، وهذا موضع اختلف فيه العلماء قديمًا وحديثًا؛ فقومٌ ذهبوا إلى هذا، وهو مذهب أصحابنا المالكيين، وقوم ذهبوا إلى أنَّ ما حرَّم الرسول وحرَّم الله سواء، ولكلِّ واحد من الفريقين حججٌ يطول ذكرها.

وقد أجمعوا أنَّ صيدَ المدينةِ لا جزاء له ولا فدية، وهو تحريم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ صيد مكَّة يُجزَى؛ لأنَّه من نصِّ كتاب الله عزَّ وجلَّ، وهذا ممَّا يُحتَجُّ به لأصحابنا، وبالله توفيقنا.

وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الأنبياء لهم أنْ يحرِّموا بما أراهم الله وأذِنَ لهم فيه، والله أعلم.

وأمَّا قولك: ما معنى قوله عليه السَّلام: «قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» ، وهو عليه السَّلام قد أمر بقتل ابن خَطَل، وقتل الفواسق؟ فمعناه عندي والله أعلم: أنَّ ابن خَطَل لمَّا وَجَبَ سفك دمه لِمَا كان قد ارتكبه من الارتداد وقَتْلِ مَن قَتَلَ من المسلمين؛ لم تنفعه مكَّة وحرمتها فيما قد لزمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وسنذكر اختلافهم في ذلك عند تمام القول في هذا الباب [/ص 8/] إن شاء الله تعالى.

ويحتمل أن يكون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمر بقتل ابن خَطَل وغيره إلَّا في الوقت الذي أُحِلَّ له فيها القتال، وقال أهل العلم بالسِّير: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد كان يعهدُ إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلُوا مكَّة ألَّا يقاتلوا إلَّا مَن قاتلهم، إلَّا أنَّه قد عهد في نفرٍ سمَّاهم أن يقتلهم وإن وُجِدوا تحت أستار الكعبة، منهم:

عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامريُّ، كان يكتب الوحي لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم ارتدَّ ولحق بمكَّة في قصَّةٍ طويلةٍ.

وعبد الله بن خَطَل رجلٌ من بني تيم بن غالب، كان مسلمًا فبعثه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُصدِّقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، فقتل الأنصاريَّ وارتدَّ ولَحِقَ بمكَّة.

وكانت القَينَتَان فَرْتَنَاهُ [5] وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بقتلهما معه، فاستعاذ ابن خَطَل بالكعبة، وتعلَّق بأستارها فلم ينفعه ذلك شيئًا لِمَا كان قد سبق فيه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقتله في ذلك اليوم.

الحويرث بن نُقَيْد، ونفيل بن وهب بن عبد قصي، كان بمنًى يؤذي [/ص 9/] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ؛ لقتله الأنصاريَّ الذي قتل أخاه خطأً بعد أن أخذ دِيته.

وعكرمة بن أبي جهل، فقُتِلَ عبد الله بن خطل والحويرث ومِقْيَس، وهرب عكرمة إلى اليمن، وفرَّ العامريُّ إلى عثمان؛ وكان أخاه من الرَّضاعة، واستأمن له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأمَّنه، وقُتلت إحدى القينتين، وهربت الأخرى، وهذا كلُّه والله أعلم إنَّما كان في تلك السَّاعة التي أُذِنَ فيها بالقتال، ولم يكن ساعة من ساعات النهار المعهودات الاثني عشر، والله أعلم، وإنَّما أراد صلَّى الله عليه وسلم بقوله: «ساعةً مِن نهارٍ» -والله أعلم- التقليل من الوقت والزَّمن؛ كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] ، إنَّما أراد عزَّ وجلَّ أنَّ منهم مَن يُؤْتمن على الكثير فيفي ويؤدِّي أمانته، ومنهم مَن يُؤتمن على اليسير فلا يفي ولا يؤدِّي أمانته، ولم يرد القنطار بعينه ولا الدينار بعينه، وظاهر قوله عليه السَّلام: «سَاعةً مِنْ نَهارٍ» يدلُّ على أنَّه كان بعض النهار، لم يكن يومًا تامًّا والله أعلم؛ لأنَّ (مِنْ) أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا.

وظاهر قوله: [/ص 10/] «قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» يدلُّ على أنَّ السَّاعة التي أحلَّ له فيها القتال لم تكن أكثر من يومٍ.

وليس في قَتْل ابن خطل وغيره ما يُشكل، ولا ما يحتاج إلى القول لمن فهم؛ لأنَّ الوقت الذي أُحلَّت له كان ذلك منه فيه والله أعلم، هذا ممكن لا يدفع إمكانه، أو يكون ابن خطل إنَّما أمر بقتله لما استوجبه من القتل، فلا يكون ذلك داخلًا في استحلال مكَّة والحرم؛ لأنَّ الحرم لا يُعيذ مَن وجب عليه القتل عند أكثر أهل العلم، وأيُّ الوجهين كان فليس في قتل ابن خطل وأصحابه ما يدفع قوله: «قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَمَا كَانَتْ» ، فتدبَّر هذا تجده كذلك إن شاء الله تعالى.

ولخالد بن الوليد في فتح مكَّة وقتل قومٍ بها قصَّة، قد ذكرها أهل السِّير، وجاءت بها الأحاديث، ليس بنا حاجة إلى ذكرها.

وهذا الحديث الذي سألتَ عنه ذكره البخاريُّ عن قتيبة بن سعيدٍ، عن اللَّيث، عن سعيد بن أبي سعيدٍ، عن أبي شُريح، أنَّه قالَ لعمرو بن سعيد ... ، وذكر الحديث.

وعمرو بن سعيد هذا فيما أظنُّ والله أعلم هو عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، وقد روى هذا الحديث عبد الله بن هشام عن زياد البكَّائيِّ عن ابن إسحاق [6] عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عن أبي شُريح [/ص 11/] الخزاعيِّ قال: لمَّا قدم عمرو بن الزُّبير مكَّة لقتال أخيه عبد الله بن الزُّبير؛ جئته، فقلت له: ما هذا؟ ... ، وذكر الحديث بكماله، فجعل مكان عمرو بن سعيد: عمرو بن الزُّبير، كما ترى.

ورواه يونس بن بُكير، عن محمَّد بن إسحاق بإسناده فقال فيه: لمَّا بعث عمرو بن سعيد البعث إلى ابن الزُّبير؛ دخلتُ عليه ... ، وذكر الحديث.

فوافق اللَّيث على قوله: (عمرو بن سعيد) ، وهو الصَّواب إن شاء الله تعالى.

وأمَّا قوله في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً» ؛ فمعناه والله أعلم: أنَّه لا يَحلُّ لأحدٍ فيها قتال أحدٍ بتأويل يخالفه فيه منازعُهُ، وعلى هذا المعنى كان مخرج الحديث من أبي شُريح، ومَن شهد القصَّة والتَّنزيل كان أعلم بالتَّأويل.

واختلف أهل العلم في هذا المعنى، فقال بعضهم: لا يجوز قتل من خرج متأوِّلًا بمكَّة خاصَّةً، وقتاله في غيرها جائزٌ إذا قام الدليل لمُقَاتِلِهِ [7] على بغيه، وأنَّ الباغي يُقاتَل حتَّى يفيء إلى أمر الله، ولا يُقاتل بمكَّة على حالٍ إذا كان له وجه يَحْتَمِل التَّأويل، قالوا: ومكَّة مخصوصة بهذا الحكم؛ كما أنَّها خُصَّت بأن لا يُعضد شجرها، ولا يُستحلَّ صيدُها، ولا تحلُّ لقطتها إلَّا لمنشدٍ، وعلى ملتقط اللُّقطة منها إنشادها أبدًا ليس [/ص 12/] للاقطها غير ذلك، وفي سائر البلدان يجوز له التَّصرُّف فيها بعد العام على حكم اللُقطَة، قالوا: وقد خُصَّت أيضًا بأنْ لا يُحمل فيها سلاح، وذكروا حديث معقل بن عُبيد الله عن أبي الزُّبير عن جابر قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ سِلَاحًا» .

وقال آخرون: مكَّةُ وغيرها سواءٌ، إلَّا في الصَّيد والشَّجر.

وقال آخرون: مكَّة وغيرها سواء، إلَّا في الصَّيد والشَّجر واللُّقطة على ما وصفنا من حكمها.

وقال آخرون: مكَّة وغيرها سواء، إلَّا في الصَّيد والشَّجر، وبيوتها لا تُكرىَ، ولا يجوز أخذ الكِراء فيها.

ولكل واحدٍ منهم آثارٌ يحتجون ومعان يذهبون إليها يطول ذكرها، ولو تعرَّضنا لذكرها؛ لخرجنا عن حكم ما له قصدنا.

ومعلوم أنَّ قوله عليه السَّلام: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا» أراد الدَّم الحرام، وليس هذا اللَّفظ على ظاهره؛ لأنَّ الدَّم الحرام لا يحلُّ بمكَّة ولا بغيرها، ولكنَّه من كلام العرب؛ لأنَّ مِن كلامهم أن يكون المسكوت عنه في معنى المذكور، ويكون بخلافه، أَلَا ترى إلى قوله عزَّ وجلَّ: {وَلا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] ، وكذلك قوله عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] ، ولا يحلُّ الكفر بالقرآن على حالٍ [/ص 13/] من الأحوال، وكذلك قوله: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا حَرَامًا» ، وكذلك غيرها إذا كان الدَّم حرامًا، وقد أجمعوا أنَّه يجوز بها سفك دماء الدَّواجن كلِّها غيرِ الصَّيد.

وأمَّا اختلاف العلماء فيمن وجب عليه حدٌّ أو قصاصٌ فهرب إلى الحرم ودخله واستجار به؛ فإنَّ طائفة منهم قالت: مَن قَتل في غير الحرم، ثم جاء إلى الحرم ودخله؛ لم يُقَم عليه الحدُّ في الحرم؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ، قالوا: ومن قَتل في الحَرَم؛ قُتل في الحرم، وروى ابن جُريج عن عطاء عن ابن طاووس قال: مَنْ أحدثَ في الحرمِ حدثًا؛ أقمتُ عليه حدَّه، ومن أحدثَ حدثًا في غير الحَرَمِ ثمَّ لجأ إلى الحرم ودخله؛ لم يُتعرَّض، ولكنَّه لا يُؤوىَ، ولا يُبايع، ولا يُكلَّم حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج من الحرم أُقيم عليه الحدُّ لِمَا أَحدث، قال عطاء: قال ابن عمر: لو آوى قاتلُ عمرَ بنِ الخطاب في الحرم؛ ما هِجْتُهُ، وقال مجاهد في قوله عزَّ وجلَّ: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] قال: عزيمةٌ لا يُخاف فيه أحدٌ دخله.

وأمَّا قَتَادة وغيره فقالوا: كان ذلك في الجاهليَّة، فأمَّا اليوم؛ فلو سَرَقَ في الحَرَمِ؛ قُطع، ولو قَتل؛ قُتل، ولو قُدِرَ فيه على المشركين؛ قُتلوا.

قال أبو عمر: على هذا القول [/ص 14/] جماعةُ فقهاء الأمصارِ من أهل الرَّأي والأثر، وهو الصَّحيح عندنا في النَّظر؛ لأنَّ الله تعالى قد أمرنا بالقصاص وإقامة الحدود أمرًا مطلقًا عامًّا، لم يخصَّ به موضعًا من موضع، ولا خصَّه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا أجمعت الأمَّة على خُصوصه، ولا قامتْ بخصوصِهِ حجَّةٌ لا مدفع لها.

وقد اختلف الفقهاء في تغليظ الدِّية على مَن قَتل في الحرم، فأكثرهم على أنَّ القتل في الحلِّ والحرم سواء فيما يجب فيه من الدِّية والقَوَد، وإلى هذا ذهب مالك والعراقيُّون، وهو أحد قولَي الشَّافعيِّ، وقول الفقهاء السَّبعة، حاشا القاسم بن محمَّد؛ فإنَّه رُوي عنه وعن سالم أنَّه من قَتل خطأً في الحرم؛ زِيْدَ عليه في الدِّية ثلث الدِّية، وهو قول عثمان بن عفَّان، وخالفه في ذلك عليٌّ، وكان الشافعيُّ يرىَ التغليظ في قتل الخطأ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام، وذي الرَّحم على حسَب سُنَّة دية العمد المغلَّظة، وهذا أشهر عن الشافعيِّ من القول الأوَّل، ومن الحجَّة على من ذهب هذا المذهب قوله عزَّ وجلَّ في قاتل الخطأ: {فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] ، ولم يخصَّ موضعًا من موضع، وفرض النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الدِّيات ولم يخصَّ موضعًا من موضع، ولا فرَّق بين الحلِّ والحرم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت