حديث عائشة رضي الله عنها: «أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم رَجُلًا فَوَجَدَهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ [1] الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، وَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ» ، [خ¦336] ، هكذا ذكرتَ الحديث في كتابك، فقلتَ: فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله جوَّز الصَّلاة عند العذر وامتناع التَّيمُّم بغير تيمُّم، فالجواب: [/ص 27/] أنَّ هذا الباب قد اختلف فيه العلماء قديمًا، وتنازع فيه فقهاء الأمصار، فذهب منهم قومٌ إلى أن المحبوسين في المِصْر والمُهدَّم عليهم والمصلوبين وكلَّ مَن لا يقدرُ على الوضوء بالماء وعلى التَّيمُّم بالأرض أو التَّراب؛ أنَّه لا يصلِّي حتَّى يمكنُهُ الوضوء أو التَّيمُّم، ولو أقام ما شاء الله أن يقيم [2] ، فإذا انطلق؛ صلَّى كلَّ صلاةٍ لم يكن صلَّاها من أجل ذلك، وحجَّة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طهُورٍ» ، فمن لم يمكنه الطَّهور؛ لم [3] يكن له إلى الصَّلاة سبيلٌ، وممَّن ذهب إلى هذا من أصحابنا أشهب، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعيِّ والثَّوريِّ وزُفر، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ، وذهب منهم آخرون إلى أنَّ مَن كانت حاله ما وصفنا صلَّى كيف أمكنه بغير طهورٍ إذا لم يمكنه الطَّهور، وأعاد بعد ذلك إذا قدر على الطَّهورُّ بالماء أو التَّيمُّم عند عدم الماء، وممَّن ذهب إلى هذا أيضًا من أصحابنا عبد الرَّحمن بن القاسم، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ واللَّيث بن سعدٍ، وهو أحد قولي الشَّافعيِّ أيضًا، وكلُّ هؤلاء قال: (إنَّ مَن كانتْ حاله ما وصفنا وصلَّى على ذلك لم يكن له بُدٌّ من الإعادة [/ص 28/] إذا قدر على الطَّهور) ، وليس في حديث عائشة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمرهم بالإعادة عند وجود الماء، وقد زعم بعض العلماء أنَّ الانفصال من ذلك بأنَّ التَّيمُّم لم يكن مشروعًا حينئذٍ؛ لأنَّه نزل لغدٍ، وهذا عندي لا وجه له؛ لأنَّهم كانت طهارتهم طهارةً واحدةً حينئذٍ فصلُّوا دونها، وكذلك من عُدِمَ الطَّهارة بالماء وعدمِ البدل منها؛ وهي الطَّهارة بالصَّعيد ولم يَقْدِر على شيءٍ من ذلك كلِّه؛ كان حكمه كذلك، والله أعلم.
وقد ذهب بعض المتأخِّرين من الفقهاء أنَّ من كانت حاله تلك على ظاهر حديث عائشة هذا [لا يصلِّي] [4] ، والفقهاء على خلافه كلهم، وفي المسألة نظرٌ؛ لأنَّه يحتمل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» لمن قدر على الطُّهور، كما أنَّه لا يقبل صلاة عُريانٍ وهو قادرٌ على ثوبٍ يستره، فتركه عامدًا، وقد رُوي عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ حَتَّى تَخْتَمِرَ» [7606] . '> [920] وَالْأَوْسَطِ [7606] . '> [5] .
والمسألة إذا تعادلت فيها الأدلَّة واستوت فيها الحجج؛ فالوجه في هذا للعلماء التَّخيير بالفتوى، ولكلِّ من نزلت [به] [6] الاحتياط، والاحتياط في هذه المسألة أن يصلِّي ثمَّ يعيد إذا قدر على الطَّهارة، وهو أولى ما قيل به في هذا [/ص 29/] الباب؛ ليؤدِّي فرضَه بيقينٍ، ويخرج من الاختلاف، ويدع ما يَريبُه إلى ما لا يَريبُه، ومَن ترك الشُّبهات؛ استبرأ لدينه وعرضه؛ كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقد روى ابن دينارٍ عن معنٍ عن مالكٍ فيمن كتَّفه الوالي وحبسه، فمنعه من الصَّلاة حتَّى خرج الوقت: (ليس عليه إعادة) ، وهذه روايةٌ منكرةٌ، وقياسه على المغمى عليه لا وجه له، روى ابن القاسم عن مالكٍ في هذا وفي المُهدَّم عليه البيت: (أنَّهم يعيدون إذا خرجوا؛ لأنَّهم كانت معهم عقولهم) ، وهذا هو الصَّحيح عندنا، وعليه القياس.