فأما الفاسقون فهم الذين يعبدون وتخرج العبادات والطاعة من ذواتهم بغير نية ولا قصد، بل جرت عادة الذات بذلك، فصارت حركاتهم وسكناتهم في حال الطاعة لأجل العادة على وفق الطبيعة من غير غرض من الأغراض، فلا غرض عندهم لا صحيح ولا فاسد، فليست عبادتهم لله ولا لغير الله، وإنما عبادتهم لمجرد الطبع والعادة، كمن كان شبعان ريان لا يحب أكلا ولا يشتهيه ولا تطيقه ذاته، ثم حضر مع أناس في النزهة، فجعلوا يتحركون فيما يأكلون وجعل هذا الرجل يتحرك معهم، فهم يتحركون لأجل الأكل ونفع أنفسهم، وهو يتحرك معهم لا لأجل الأكل لأنه لا يريده، بل والفرض أنه لا يطيقه، ولا لأجل معونة إخوانه المؤمنين، لأن هذه نية صالحة، ولكن الحامل على حركته أنه لما رأى الناس يتحركون تحركت ذاته طبعا وعادة، فهذه أعمال الفاسقين.
وأما المحرومون: فهم الذين تكون أعمالهم لنفع أنفسهم ولتحصيل أغراضها، ولا تكون لله عز وجل. وهذه الأعمال لا تزيد إلا بعدا من الله عز وجل، لأنها مخالفة لسر حقيقة الذات، فإن سر حقيقة الذات أنها ذات مخلوقة لله، مفعولة له، مملوكة له، منسوبة إليه لا نسبة لغيرة فيها بوجه من الوجوه، فلو جرت أفعالها على هذا السر لكانت كلها لله خالصة، فكأنه يقول لا حظ لي في شيء من أفعالها هي كلها مخلوقة لله، فتخرج عنه الأعمال عند صدورها على سر حقيقة الذات. وأما أنه يقول ذاتي هي لله وأفعالها لي، فينويها لنفسه ولتحصيل أغراضه، فهذا لا يجري فعله على سر حقيقة ذاته، ولا يمكنه أبدا أن يوفي بشيء من حقوق الله، لأنه يفعل لغرض نفسه لا للقيام بحق الله، فقد انقطع عن الله في أفعاله فتنقطع عنه العطية من ربه عز وجل، فيكون محروما من المحرومين.
فقلت: فقد وردت آيات كثيرة وأحاديث لا تحصى في الترغيب بذكر الثواب وجزيل الأجر لمن فعل الفعل، ولو كان كما قال سيدي عمر بن محمد الهواري لم يرد شيء منها بذلك لما فيه من القطع عن الله عز وجل.