كما لاحظ < جيفونز - Jevons - 1885 > أن التقدم الصناعي قد أدى إلى استخدام مكثف للفحم ونبه على أن مخزون الفحم في انجلترا محدود، كما أبدى قلقه اتجاه المعدلات العالية لاستخدام الخشب، ومنذ ذلك الحين، تزايد اهتمام الاقتصاديين بالبيئة والطبيعة واستخدام مواردها للأجيال الحاضرة والمقبلة وقد أفرز ذلك ظهور ما يعرف باقتصاد حماية البيئة.
المطلب الثالث: أبعاد التنمية المستديمة
يكشف النقاش حول التنمية المستديمة نقصا في الحكامة الرشيدة لعملية تطوير العولمة. و هنا تكمن العبرة الأساسية المستقاة من تقرير بروندطلاند، الذي يفتتح بهذه الكلمات:"الأرض هي واحدة، لكن العالم ليس كذلك" [1] .
يضايق مفهوم التنمية المستديمة الحدود الجامعية الكلاسيكية لأنه يدعو إلى تعدد الاختصاصات و كذا التقارب بين وجهات النظر العلمية التي تعتبر إلى حد الآن متباعدة، لأجل توحيد التخصصات البيئية و الاقتصادية. و يمنح لهذين الحقلين العلميين إمكانيات المصالحة. و تعبر الأبعاد الثلاثة للتنمية المستديمة عن طبيعته المتعددة الاختصاصات بشكل واضح.
البعد البيئي. تطرح التنمية المستديمة بتأكيدها على مبدأ الحاجات البشرية، مسألة السلم الصناعي، أي الحاجات التي يتكفل النظام الاقتصادي بتلبيتها. لكن الطبيعة تضع حدودا يجب تحديدها واحترامها في مجال التصنيع و الهدف من وراء كل ذلك هو التسيير و التوظيف الأحسن للرأسمال الطبيعي بدلا من تبذيره.
وبعبارة أخرى يتمثل البعد البيئي للتنمية المستديمة في الحفاظ على الموارد الطبيعية والاستخدام الأمثل لها على أساس مستديم والتنبؤ لما قد يحدث للنظم الأيكولوجية من جراء التنمية للاحتياط والوقاية، لكن تجدر الإشارة إلى أن الاهتمامات البيئية تختلف بين دول الشمال ودول الجنوب، فالدول المتقدمة مهتمة أكثر بتدهور نوعية الحياة على المدى الطويل، وعلى سبيل المثال: تعطي عناية خاصة لظاهرة ارتفاع درجة حرارة المناخ، واختلال طبقة الأوزون، والعديد من المشاكل المتعلقة بتلوث الهواء ولاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، بعكس الانشغالات الآنية للدول النامية، التي تتعلق بالحياة ذاتها وليس بنوعيتها كمشكل تلوث المياه، انجراف الأٍراضي ... الخ.
البعد الاقتصادي. يعين البعد الاقتصادي للتنمية المستديمة الانعكاسات الراهنة و المقبلة للاقتصاد على البيئة. إنه يطرح مسألة اختيار و تمويل و تحسين التقنيات الصناعية في مجال توظيف الموارد الطبيعية.
توفق التنمية المستديمة بين هذين البعدين، ليس في أخذها بعين الاعتبار المحافظة على الطبيعة فحسب، بل بتقديرها لمجموع العلاقات المقامة بين الطبيعة و بين الأفعال البشرية كذلك.
تمنح التنمية المستديمة، باعتبارها مؤسسة على التآزر بين الإنسان و البيئة، الأفضلية للتكنولوجيات، و المعارف والقيم التي تضع في الأولية الديمومة الكبيرة. تدافع التنمية المستديمة عن عملية تطوير التنمية الاقتصادية التي تأخذ في حسابها على المدى البعيد، التوازنات البيئية الأساسية باعتبارها قواعد للحياة البشرية، الطبيعية والنباتية.
البعد الاجتماعي و السياسي. تتميز التنمية المستديمة خاصة، بهذا البعد الثالث. إنه البعد الإنساني بالمعنى الضيق: إنه يجعل من النمو وسيلة للالتحام الاجتماعي ولعملية التطوير في الاختيار السياسي و لابد لهذا الاختيار أن يكون قبل كل شيء اختيار إنصاف بين الأجيال بمقدار ما هو بين الدول.