فهرس الكتاب
من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بأن الله تعالى يمن علينا، وهو صاحب الفضل والمنة بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات، وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة؛ وذلك بحبس كميات من هذا الماء في هيئات متعددة؛ أهمها ذلك السُّمك الهائل من الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وعلى قمم الجبال، والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي، وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي.
ولولا ذلك لَغطّى ماء الأرض أغلب سطحها، ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية والحيوانية والنباتية، وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض، وذلك من أجل إعدادها لتكون صالحة للعمران. من هنا كان تفسير القسم {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بمعنى المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق، وتشهد لنبينا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالنبوة وبالرسالة.
ثانيًا: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض؛ فجعلته شديد الحرارة:
وقد كشف علم البحار بعد الحرب العالمية الثانية أن بقيعان المحيطات والبحار شبكة هائلة من الصدوع تتركز عند مرتفعات وسط المحيط حيث يندفع منها اللافا البازلتية في درجات حرارة عالية تصل إلى ألف درجه مئوية فتظهر كأنها كتل من النيران الهائلة تحت سطح الماء حيث إن الماء لا يستطيع أن يطفئ جذوتها ولا الحرارة على شدتها تستطيع أن تبخر الماء لكثرته.
وتلك الظاهرة تُلازم البحار منذ نشأتها حيث يبدأ تكوين بحر بخسف الأرض ثم اتساع ذلك الخسف وهبوط الكتل الصخرية وتكوين وادى صدعى ثم هبوط مرة أخرى إلى أن تخرج اللافا من الوادى المخسوف الذي يتحول إلى غور عميق.