الصفحة 2 من 60

سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك

إن من بواعث المرح والسرور ودواعي السعادة والشكر أن وفقنا الله تعالى لتقديم القصائد العربية التي هي تراث علمي جليل للداعية الكبير والمحدث الجليل والمجاهد الباسل شيخ الحديث العلامة عزيز الحق رحمه الله إلى أيدي القراء الفضلاء، ولله الحمد.

إن الله تعالى جعل هذه الشخصية العظيمة سعيدةً بالنعم الغزيرة والصفات الجليلة، من أبرزها حبه العميق وعشقه القوي للمدينة المنورة ولصاحبها عليه التحية والتسليم، وكذلك أسعده الله أيضا بسعادة خدمة الحديث والسنة وَعْظًا وتذكيرًا، تأليفًا وتصنيفًا أكثر من خمسين سنة، وببركة خدمة السنة المشرفة طوال هذه السنوات المديدة احتفل في قلبه هذا الحب والعشق للمدينة ولصاحبها عليه الصلاة والسلام ذرّةً فذرّةً.

جاء في الحديث النبوي الشريف: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» . (أخرجه البخاري في صحيحه برقم 13، 15) فكون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس محبوبا هو شرط أساسي ليكون المرأ مؤمنا كاملا، وحياة الشيخ رحمه الله كان نموذجا مثاليا لهذا الحب الإيماني القوي، وكان تجسيد أسوة النبي الأكرم هو المهمة الوحيدة له في عمره، حيث كان مرتبطا بجهاد إقامة السنة المشرفة على المستوى الشعبي إلى آخر لحظة من حياته، وكان الشيخ حينما يتكلم عن سيرة النبي وأسوته صلى الله عليه وسلم كان يغشى قالبَه لون خاص، وكانت تسود قلبَه حالةٌ خاصةٌ ليس بإمكان أحد أن يدركها فحسب، بل أيضا ليس بمقدور أحد أن يُعبِّر عنها بكلمات.

مع كل هذه كان له جذب خاص وحب وغرام أصيل عميق للبقعة المشرفة بذكريات الأنبياء عليهم السلام وبوقوع بيت الله بمكة المكرمة، وللمدينة المنورة المشرفة بشرف سيد المرسلين و خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

وكانت أمنيته الأخيرة من الرب تبارك وتعالى أن يلفظ نفسَه الأخير في المدينة المنورة وأن يتشرف بالدفن بالبقيع، وأن يحشر يوم المحشر في زمرة يحشرون مع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البقيع، فأمنيته الأولى وإن لم يتقبلها الحكيم العليم ظاهرا، نرجو منه أنه قد تقبل أمنيته الأخيرة. كما ورد في الحديث: عن أم قيس: حدثته أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج بها آخذا بيدها في سكة المدينة حتى انتهى إلى البقيع الغرقد فقال: يا أم قيس قلت: لبيك و سعديك يا رسول الله قال: أترين هذه المقبرة؟ قلت: نعم يا رسول الله قال: يبعث منها سبعون ألفا يوم القيامة بصورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب فقام عكاشة فقال: و أنا يا رسول الله قال: و أنت فقام آخر فقال: و أنا فقال: سبقك بها عكاشة. أخرجه الحاكم في المستدرك برقم: 6934

وقد قدم الشيخ رحمه الله إلى محبوبه الأقدس في روضته المطهرة عواطف قلبه المكنونة ممزوجا بعصارة قلبية عميقة في صورة أبيات رائعة العرض وسامية الفكرة. وكان بدأ سلسلةَ عرض الأبيات إلى أقدام النبي صلى الله عليه وسلم في عهده عليه السلام شاعرُ الرسول صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي لله عنه بقوله الخالد:

وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء

ثم بعد ذلك تلاه الشعراء والأدباء فأفرغوا جامات حبهم بلغاتهم المختلفة ولهجاتهم المتنوعة ما لا يكاد يحصى ولا يحسب، وستبقى هذه السلسلة المباركة جارية إلى يوم القيامة إن شاء الله. وقد شارك شيخ الحديث بقصائده الخمس في مسيرة أولئك عشاق النبي صلى الله عليه وسلم السعداء.

وفي قصائده طلبٌ مختلف يولِّد طلبا في قلب كل مؤمن، و ينشئ عاصفة قوية في فؤاد كل عاشق النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تشرف الشيخ رحمه الله بإنشاد قصائده كلها في المواجهة الشريفة لروضة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث حدث لنا: أن المنظمون من رجال الأمن كانوا ينحِّون كل واحد بعد أداء صلاته وتسليمه الواجب بسبب الزحمة الشديدة، لكن الشيخ حينما بدأ ينشد قصائده مازجا بدموعه المالحة، لم يدفعوه، بل أحاطوا به حوله، وبقي الشيخ ينشد وهم يستمعون إليه متعجبين، وبعد إنشادها ساعة طويلة حينما قهقر، رأى عيون الكثيرين تتفجر دموعا، وقد تلقى الشيخ رحمه الله بركاتٍ كثيرة بإنشادها كماكان يحدثنا.

ومن الناحية الأدبية تجد جذبا خاصا للأدباء إلى هذه القصائد، لأن الشيخ رحمه الله كان له مهارة موفورة في العلوم العربية مثل النحو والصرف والأدب والبلاغة كلها، وأوضح دليل عليه هي قصائده هذه. وقد قال مرة السفير السعودي فؤاد عبد الحميد الخطيب يمدح مقالا عربيا له: والله هذا لغة القرآن، والله هذا أدب القرآن. وقال كبير محدثي الديار الهندية الشيخ سليم الله خان حفظه الله: كان لشيخ الحديث العلامة عزيز الحق صيت ذائع كأديب عربي بين الطلاب والأساتذة في حياته التعلمية. ولذا ترى لقصائده قيمة مرموقة في بلاد العرب والعجم على السواء. حيث إن أصدقاءه العرب الكثيرين قد نسخوا منه قصائده، وأنشدوها في مجالسهم ومجامعهم.

وقد طُبعت بعض قصائده في بداية شرحه باللغة البنغالية لصحيح البخاري، ثم طبعت القصائد كلها مجموعة مع ترجمة الأبيات باللغة البنغالية والتحليلات اللفطية الأخرى في كتاب مستقل باسم «قصائد شيخ الحديث في شأن النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم» بسعي الطلاب المتخرجين من الجامعة الرحمانية العربية بمحمدبور داكا لسنة 2006م

ومنذ أيام غير قليلة جاءت طلباتٌ من مسؤولي المدارس الإسلامية والعلماء والأساتذة لإدخالها في المقررات الدراسية للمدارس الإسلامية وتدريسه ككتاب للأدب العربي، فتَلبيةً لطلباتهم قد تصدينا لطبعه ككتاب مستقل، وقد أُسْنِدَتْ مسؤوليةُ إعدادها إلى سبط الشيخ نعيم الحق وبعض زملائه، فهذه هي ثمرة جهودهم كما ترون. فلله الحمد كله.

والكتاب يشتمل على ثماني قصائد، خمس منها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وواحدة منها في رثاء كبير مصلحي الأمة ومجاهدي الملة والمربي الجليل الشيخ شمس الحق الفريدبوري رحمه الله، وواحدة منها في عزاء أمِّنا الحنون فيض النساء رحمها الله، وواحدة منها في توديع المحدث البارع والمحقق المتقن والعلامة الأفيق الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى صاحب فتح الملهم شرح صحيح مسلم.

وقد أضيفت إليها في هذه الطبعة تعليقات وجيزة بشرح معاني الألفاظ الغريبة وتوضيح إعراب بعض الجمل المعضلة، وتعليق بعض ذكريات خاصة للشيخ رحمه الله، شرَّف الله بهذا الجهد المبارك تلميذَنا الفاضل أبا صائم بن عبد القيوم (مدرِّس بجامعة دار العلوم الإسلامية، ديلورود نيوإسكاتن داكا) ، فاستحق بها الشكر والتقدير من القراء وطلاب العلم، زاده الله تقوى وعلما.

وقد ألحقت في بداية الكتاب مقالتان للإجابة عن اعتراضات واردة على بعض أبيات هذه القصائد من قِبل بعض العلماء، مقالةٌ عن موضوع حكم التوسل بالأنبياء والأولياء في نظر الإسلام ومقالةٌ أخرى عن موضوع حكم طلب الشفاعة ودعاء المغفرة من النبي بعد لحوقه الملأ الأعلى، وقد قام بهذه المهمة الكبيرة ابن أخينا العزيز نعيم الحق بن محمود الحق (مدرِّس بالجامعة الرحمانية العربية محمدبور داكا) أوضح فيهما إشكالاتهم وأجاب عنها جوابا مدللا، بارك الله في علمه وعمله.

وأضيف في بداية الكتاب حياة مختصرة للشيخ رحمه الله في سطور، قام بتعريبه ابن اختنا مولانا عبد اللطيف المدني، يستطيع بها القارئ الكريم الوقوف باختصار على حياته رحمه الله، فجزاه الله خيرا.

ونقدم الشكر الجزيل والتقدير اللائق من صميم القلب إلى المحدث الناقد والمحقق البارع المتقن الشيخ عبد المالك حفظه الله تعالى ورعاه - أمين التعليم بمركز الدعوة الإسلامية داكا - الذي قام بتصحيح المقالتين وتنقيحهما بعناية تامة واعتناء بالغ ما زادهما ضبطا وإتقانا.

وأيضا نقدم الشكر البالغ إلى الأديب الأريب اللغوي فضيلة الأستاذ شهيد الله فضل الباري حفظه لله تعالى ورعاه - أستاذ الترجمة والتعبير بقسم اللغة العربية بالمركز الإسلامي داكا - الذي بذل جهده الكبير في تحرير الكتاب مع تعليقاته (ما عدا القصائد) من الناحية اللغوية والأدبية، ما زاد المستوى اللغوي للكتاب والضبطَ والإتقانَ في التحليلات اللفظية.

وعملُ إعداد القصائد هذه كان في الواقع كبيرا، و قد تم إنهاؤه في مدة قصيرة، فوجود الأخطاء العلمية والإملائية فيه ليس بأمر غريب، فالمرجو من القراء الفضلاء أن ينبؤونا إن وفقوا عليها، لنقوم بتصحيحها في الطبعات القادمة إن شاء الله.

والله نسأل أن يتقبل منا هذا الجهد المتواضع بقبول حسن، ويشرفنا ببركات سلفنا الصالح وفيوضهم الروحانية، ويجعل مثواهم في أعلى الفردوس، آمين.

الأستاذ محفوظ الحق بن شيخ الحديث

رئيس الجامعة الرحمانية العربية محمدبور داكا بنغلاديش

نائب الأمين العام لوفاق المدارس العربية بنغلاديش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت