الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم، لأن الله يقول {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} .
وفي الجهاد أيضًا: حقيقة الزهد في الحياة الدنيا، وفي الدار الدنيا.
وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص. فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله، لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا.
وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [ا لتوبة: 111] . والجنة اسم للدار التي حوت كل نعيم، أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) )) [مجموعة الفتاوى 14/ 509 - 510] .
فالواجب علينا أن ندخل الميدان بأنفسنا حتى يتم إيماننا وتكتمل تربيتنا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 38 - 39] .
أما شبهة: أن المجاهدين ما عندهم علم.
فجوابها من وجوه:
الوجه الأول: إن المجاهد لم يخرج إلى أرض الجهاد إلا بعد أن عرف حكم الجهاد وفضله وما أعده الله للمجاهدين وللشهداء، فكيف بعد هذا يقال أنهم بلا علم.
الوجه الثاني: العلم ينقسم باعتبار حكم تعلمه إلى قسمين:
الأول: واجب عيني وهو ما لا يسع المرء جهله كالعلم بالله ولوازمه، وكتعلم أحكام العبادات التي يعبد بها الله عزوجل.
وهذا النوع بحمد الله لا يجهله أحد غالبًا، إلا من نشأ في ديار لا تعرف من الإسلام شيئًا أو كان حديث عهد بكفر.
القسم الثاني: واجب كفائي وهو العلم الذي لا يؤاخذ المرء بجهله كتعلم علوم الآلة أو الفروع الفقهية.