جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات وهذا ظاهر البطلان لا سيما على أصل الصفاتية ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة
فيقال لهذا القائل لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك فإن قال لأن اثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين قيل له وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره والله تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم
فإن قلت الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين قال لك أهل الإثبات وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق فإن قلت لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا قال لك النفاة ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة إليه فلا يجوز التفريق بين المتماثلين فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذا كثر ما يقال إني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين ذفيت ذلك ثم يقال بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين وكشف الضر عن المضرورين والاحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوية بهذا الطريق تارة يدلهم بالآيات