ونعلم مع هذا أن هذا لم يقع بل ولا يقع من الأشخاص وإن من أخبرنا بوقوعه منهم كذبناه قطعا
ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد الكذب بعد أن لم يكن كذلك لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره
ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي ص - إنه الصادق البار قال لها لما جاءه الوحي إني قد خشيت على عقلي فقالت كلا والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من نفسه ص - إنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والأعمال وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن مما يخزيه الله وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه وأيضا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام فإنه كان نبيا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار
وقد علم جنس ما يدعو إليه الرس وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم
وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم إنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون