فهرس الكتاب
أشكوه شافيا إلى أن قال فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري بل لا أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات إلى أن قال ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من المعلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائله إلى أن قال لم أزل حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبيس وتحقيق تخييل اطلاعا لم أشك فيه فاستمع الآن حكايته وحكاية حاصل علومهم فإني رأيتهم أصنافا ورأيت علومهم أقساما
وهم على كثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر والإلحاد وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه
ثم قال أعلم أنهم على كثرة فرقهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام الدهريون والطبائعيون والإلهيون
الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من الأقدميين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجودا وجحدوا كذلك ولم يزل الحيوان من نطفة والنطفة من حيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا وهؤلاء الزنادقة
الصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات إلى أن قال إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وإنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا انعدمت فلا تعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم