فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 201

مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المنثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغير ذلك من كلام المشائخ حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع وظهر لي أن أخص خواصهم مالا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا شبعان وبين أن يعرف حد السكر وإنه عبارة عن حالة تحصل عن استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر وبين أن يكون سكران بل السكران لا يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران وما معه من علمه شيء والطبيب يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأدويتها وهو فاقد الصحة

فكذلك الفرق بين من يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها وبين من يكون حالة الزهد عزوف النفس عن الدنيا فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته

ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر

وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرر بل باسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال

وذكر حاله في خروجه عن ذلك ومجيئه إلى الشام ثم الحجاز إلى أن قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت