فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 201

وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطرق الله تعالى الخاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلافهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم والواقعين على أسرار الشريعة من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في باطنهم وظاهرهم مقتبسة من نور مشكاة النبوه فليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به إلى أن قال ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقهم حقيقة النبوة وخاصتها ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها

فقال أعلم أن جوهر الإنسان من أول الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه من عوالم الله تعالى والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله كما قال سبحانه وما يعلم جنود ربك إلا هو ثم ذكر ما يدركه بالحواس ثم بالتمييز ثم يترقى في طور آخر فيخلق له العقل فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله ووراء العقل طور آخر يتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى العقل معزول عنها لعزل قوة الحسن عن مدركات التمييز وكما أن المميز لو عرض عليه مدركات العقل لأباه واستبعده

فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة فاستبعدوها وذلك عين الجهل إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه فظن أنه غير موجود في نفسه والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال وحكى له ابتداء لم يفهمها ولم يقر بها وقد قرب الله منها ذلك إلى خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصة النبوة وهو النائم إذ النائم لم يدرك ما سيكون في الغيب إما صريحا وإما في كوة مثال يكشف عنه التعبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت