فهرس الكتاب
وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطرق الله تعالى الخاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق وأخلافهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم والواقعين على أسرار الشريعة من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في باطنهم وظاهرهم مقتبسة من نور مشكاة النبوه فليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به إلى أن قال ومما بان لي بالضرورة من ممارسة طريقهم حقيقة النبوة وخاصتها ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها
فقال أعلم أن جوهر الإنسان من أول الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه من عوالم الله تعالى والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله كما قال سبحانه وما يعلم جنود ربك إلا هو ثم ذكر ما يدركه بالحواس ثم بالتمييز ثم يترقى في طور آخر فيخلق له العقل فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله ووراء العقل طور آخر يتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى العقل معزول عنها لعزل قوة الحسن عن مدركات التمييز وكما أن المميز لو عرض عليه مدركات العقل لأباه واستبعده
فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة فاستبعدوها وذلك عين الجهل إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه فظن أنه غير موجود في نفسه والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال وحكى له ابتداء لم يفهمها ولم يقر بها وقد قرب الله منها ذلك إلى خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصة النبوة وهو النائم إذ النائم لم يدرك ما سيكون في الغيب إما صريحا وإما في كوة مثال يكشف عنه التعبير