فهرس الكتاب
وهذا لو لم يجر به الإنسان من نفسه وقيل له إن من الناس من يسقط مغشيا عليه كالميت ويزول إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لأنكره ولأقام البرهان على استحالته وقال القوي الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الشيء مع وجودها وحضروها فبأن لا يدرك مع ركودها أولى
وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين أخرى يبصر بها أنواعا من المعقولات الحواس معزولة عنها فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين أخرى لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها أو في وجودها أو وقوعها أو في حصولها لشخص معين
ودليل إمكانها وجودها ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل كعلم الطب والنجوم فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى ولا سبيل إليه بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة فكيف ينال ذلك بالتجربة وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البرهان أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل وهو المراد بالنبوة لا أن النبوة عينها فقط بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة وله خواص كثيرة سواها وما ذكرناه فقطرة من بحرها إنما ذكرناها لأن معك أنموذجا منها وهي مدركاتك في النوم ومعك علوم من جنسها في الطلب والنجوم
فأما معجزات الأنبياء فلا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا وأما ما عداها من خواص النبوة فإنما يدركه بالذوق من سلك طريق التصوف لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم ولولاه ما صدقت به فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا فكيف تصدق بها وإنما التصديق بعد التفهيم وذلك الأنموذج يحصل في أول طريق التصوف فيحصل به نوع من