فهرس الكتاب
في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها وبان لي من حقيقة الذوق أن للإنسان بدنا وقلبا وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله تعالى دون اللحم الذي يشاركه فيه الميت والبهيمة وإن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه وإن القلب كذلك له صحة وسلامة ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم وله مرض فيه هلاكه إن لم يتدارك كما قال تعالى في قلوبهم مرض
وإن الجهل بالله سم مهلك وإن معصية الله تعالى بمتابعة الهوى داؤه المرض وإن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها لا تدركها العقلاء ببضاعة العقل بل تجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها عن الأنبياء الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص لا ببضاعة العقل وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف لبعض في الوزن فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر من قبل الخواص فكذلك العبادات التي هي أدوية القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار حتى أن السجود ضعف الركوع وصلاة الصبح نصف صلاة الظهر ولا يخلو عن سر من الأسرار هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة
ولقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة وظن أنها ذكرت على الاتفاق لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية وكما أن في الأدوية أوصولا هي أركانها وزوائد هي متمماتها لكل واحد منها