فهرس الكتاب
الإلهام وما يناسبه وما أعطوا هذه الدرجة حقها وأما المعتزلة فهم خير منهم فإنهم يقرون بما أخبر به القرآن من أصناف الملائكة وأوصافهم لكنهم مع هذا لا يقرون بأن لله كلاما قائما به فحقيقة مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم إنما يخلق كلامه في غيره ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون إن الله تعالى لا يتكلم أو يتكلم مجازا
لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق وقالوا إنه متكلم أو يتكلم حقيقة لكنهم فسروا ذلك بأن خلق كلاما في غيره فلم ينازعوا قدماء الجهمية في حقيقة المذهب وإنما نازعوهم في اللفظ
والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر وأن هذا في الحقيقة تعطيل للرسالة وأنه يمتنع أن يكون متكلم بكلام لا يقوم به بل بغيره كما يمتنع أن يكون عالما بعلم لا يقوم به بل بغيره وأن يكون قادرا بقدرة لا تقوم به بل بغيره وإنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في مخلوقاته كلاما له
وقد قال تعالى وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وقال عز و جل اليوم نختم أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون بل لما ثبت أن الله خالق كل شيء فيجب أن يكون على قولهم كل كلام في الوجود كلامه وقد أفصح بذلك الاتحادية الذين يقولون الوجود واحد كابن عربي صاحب الفصوص ونحوه وقالوا ... وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه ...
ومذهبهم منتهى مذهب الجهمية وهو في الحقيقة تعطيل الخالق والقول بأن هذا الوجود هو الوجود الواجب كما ذكر ذلك أبو حامد عن دهرية الفلاسفة فإن قول هؤلاء هو قول أولئك وهو قول فرعون الذي أظهره لكن فرعون وغيره من الدهرية لا يقولون هذا الوجود هو الله وهؤلاء بجهلهم يقولون إن الوجود هو الله وقد أضلوا طوائف من الشيوخ الذين لهم عبادة