وقوله جل وعز أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون وهو سبحانه في سورة الرحمن يقول في عقب كل آية فبأى آلاء ربكما تكذبان وهو يذكر فيها ما يدل على خلقه وعلمه وقدرته ومشيئته وما يدل على إنعامه ورحمته وحكمته
وكذلك ذكر في مخاطبة الرسل للكفار كقوله سبحانه قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى
مثل هذا في القرآن كثير وما فطر فيه من المخلوقات دل على ذلك وفي نفس الإنسان عبرة تامة فإن من نظر في خلق أعضائه وما فيها من المنافع له وما في تركيبها من الحكمة والمنفعة مثل كون ماء العين مالحا ليحفظ شحمة العين من أن تذوب وماء الأذن مرا ليمنع الذباب من الولوج وماء الفم عذاب ليطيب ما يمضغ من الطعام وأمثال ذلك علم علما ضروريا أن خالق ذلك له من الرحمة والحكمة ما يبهر العقول مع ما في ذلك من الدلالة على المشيئة ثم إذا استقرأ ما يجده في نوع الإنسان من أن كل من عظم ظلمه للخلق وضراره لهم كانت عاقبته سوء واتبع اللعنة والذم
ومن عظم نفعه للخق وإحسانه إليهم كانت عاقبته عاقبة خير وأمثال ذلك استدل بما علم ما لم يعلم حتى يعلم أن الدولة ذات الظلم والجبن والبخل سريعة الانقضاء كما قال تعالى ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا وقال عز و جل ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا