يقول الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين} [العنكبوت:69] ، قال ابن جرير:[يقول تعالى ذكره: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبًا من كفار قريش، المكذّبين بالحقّ لما جاءهم فينا، مُبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا، ونُصرة ديننا {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا} ، يقول: لنوفقنَّهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم- {وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقًا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا} فقلت له: قاتلوا فينا، قال: نعم] تفسير الطبري20/ 63.
وقال الشنقيطي -رحمه الله-: [ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين جاهدوا فيه، أنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل (اللام) في قوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} ] أضواء البيان (6/ 163) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: {ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] ، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم] مجموع الفتاوى (28/ 442) .
وكما هو معلوم أن مفهوم الجهاد أوسع من مفهوم القتال، والمجاهدون اليوم -بفضل الله- لم يقتصروا على القتال فحسب، بل جاهدوا بألسنتهم وأموالهم وأنفسهم، فهم يسيرون بعلم وجهاد؛ لأن الشخص إذا سار بعلم فقط فسيبقى ضعيفًا، وإذا سار بالقوة والسلاح فقط فسوف يضل في استخدامه للبأس.
وبفضل الله -عز وجل- جمع المجاهدون بين العلم بأمور الجهاد وبين القتال، ونراهم موفقين في إستراتيجيتهم ومعرفة قدرة العدو وقدرتهم.
فإذا كان المجاهدون في أفغانستان، والعراق، والجزيرة، والصومال، وفلسطين وبلاد المغرب الإسلامي ليسوا أهل هداية فمن هم أهل الهداية؟
إن الله هدى المجاهدين لفهمٍ لم يهدِ إليه كثيرًا من غيرهم، ودليل ذلك عدة أمور منها:
1 -إصرارهم على ضرورة استمرار الجهاد، بينما كثير من الآخرين يقول: إن الأمة ليست مستعدة لذلك!!.
2 -معرفتهم وجهادهم للعدو الخارجي والعدو الداخلي، بينما كثير من الآخرين لم يعرفوا العدو الداخلي.
3 -تمييزهم للفرق بين العلماء الربانيين، وعلماء السلطان.
4 -تمييزهم للفرق بين تقدير العلماء وتقديسهم.
والعقل الصحيح يوافقهم، والتاريخ يشهد لمن ساروا على طريقهم، والفطرة تستدعي السير على ما هم عليه، والغيرة تؤنب صاحبها حتى يلتحق بهم، ولنضرب مثالًا واقعيًا من حال المجاهدين المعاصرين، حتى يتبين لك أنهم هُدوا للصواب.
قال صاحب كتاب (إدارة التوحش) ص8 - 9: [والأهم من ذلك أن من نعم الله على من يخوض المعركة أنه أقرب أهل العلم والفراسة في تحسب ذلك، فمثلًا تحدث الشهيد - نحسبه كذلك - سيد قطب -رحمه الله- عن سقوط الاتحاد السوفيتي، وبيَّن من السنن التي ستؤدي إلى ذلك الكثير، لكنه ما كان يستطيع أن يحدد زمنًا مُتوقعًا أو بيانات محددة، في حين أن للشيخ عبد