الصفحة 4 من 83

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فإن من نعم الله على العبد أن يوفقه بصديق صاحب حق وهمة عالية، يقول الحق ويعمل به ولو كلفه الكثير، لا يخاف في الله لومة لائم، يرضي الله بسخط الناس ولا يرضي الناس بسخط الله، وكذلك كان الشيخ أبو مصعب رحمه الله، منذ عرفته ولأكثر من عشرة أعوام ما عهدت عنه إلا خيرًا، صدق وأمانة، همة في طلب العلم وتعليمه، حب شديد للدعوة، يضحي بمصالحه من أجل دينه لا بدينه من أجل مصالحه، وأكبر دليل على ذلك أنه ضحى بنفسه واختار مواطن القتل نصرة لدينه، وأي شيء أغلى من النفوس يُضحى بها، سطر بمداده دعواه وأظهر دعوته، وبرهن صدق دلك بدمائه الزكية وحياته الرضية.

لله دره وعلى الله أجره، كم عانى من أجل البحث عن الحق والتمسك به، رماه القريب والبعيد يوم أن سار في طريق الحق وأعلنها بدون خفاء ولا مداهنة أن المجاهدين عامة والقاعدة خاصة هم الطائفة المنصورة التي لا تزال تقاتل على هذا الدين حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال، فلم يرض عنه علماء السلطان ودعاة الضلالة وحثالة من الناس، لا لشيء ولكن لخوفهم من طواغيت العرب والعجم {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175] .

فهنيئًا لك أبا مصعب ذلك الفضل الكبير، والشرف العظيم، صدعٌ بالحق يوم كتمه الكثير، وشهادة في سبيل الله نحسبك والله حسيبك، هنيئًا لك أبا مصعب فقد كانت حياتك طاعة لله عز وجل، وقدوة في الخير، وموتك شهادة في سبيل الله، ولن نقول كما يقول المنافقون في كل زمان {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168] ، ولكن نقول {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] .

كأني به وبمن كان معه عند قصف الطائرات الأمريكية على مواقعهم بتواطؤ وتسهيلات حكومة المرتد علي عبد الله صالح، كأني بهم وهم يقصفون بصواريخ كروز والقنابل العنقودية، وهم يقولون بصوت واحد: فزنا ورب الكعبة، اللهم خذ من دمائنا اليوم حتى ترضى، فرحم الله الشيخ أبا مصعب، ورحم الله من كان معه، أبا سعيد، وأبا قسورة، وأبا حفص، وأبا البراء، فهنيئًا لهم الشهادة في سبيل الله، ونعاهد الله عز وجل، على أن نأخذ بثأرهم، من أمريكا وحلفاءها، وخاصة حكومة المرتد الأسود العنسي، ونقول لجنوده: ليس بيننا وبينكم إلا الدماء، وقطع الرؤوس، ما دمتم عسكرًا وجنودًا لذلك الطاغوت، وسترون ذلك عيانًا قريبًا بإذن الله عز وجل.

كان رحمه الله ممن جاهد بنفسه وماله ولسانه وقلمه، فلم يقتل حتى شارك في بعض الغزوات ضد جنود الطاغوت، وطالما دافع عن المجاهدين في مواعظه، ورد على الشبه التي تثار حولهم، وحث الناس على نصرتهم والالتحاق بهم، وكان من ذلك رسالته (لماذا اخترت القاعدة) التي ما أنهاها حتى اصطفاه الله عز وجل أن يكون جواره بإذنه سبحانه، فكان ختامها مسك، عرض عليّ أن أشاركه في رسالته تلك، لا حاجةً منه إلي، ولكن لأحظى بالأجر وشرف الدعوة إلى ذلك الأمر، فاعتذرت له بحجة أن عندي بحثًا آخر منشغلٌ به، فكتب رحمه الله أسبابه تلك، كتب بعضها في بيته، وبعضًا وهو في سفره وطريقه، وبعضًا وهو في ساحات الإعداد، وكأني به وهو يقرأ عليّ بعض تلك الأسباب، ويطلب وجهة نظري في ما ذكر، تواضعًا منه، وإلا فإني أقل منه علمًا وفضلًا وسنًا، بدأ كتابتها وهو يظن أن لا تتجاوز تلك الأسباب خمسة عشر سببًا، فبارك الله عز وجل له في ذلك وفتح عليه، حتى بلغت ستةً وأربعين سببًا، فنسأل الله أن يكتب أجره، وأن يعلي قدره، وأن يجعل رسالته تلك فاتحة خير لهذه الأمة، وأن يعين طلبة العلم والمشايخ أن يسيروا في الطريق الذي سار فيه، فلا خير في علم أقعد صاحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت