2)لأنها من أكثر المسائل انتشارًا: والشيء إذا كان متفشيًا بصورة أوسع في الناس، ولو لم يكن أكثر جرمًا، فإنه يقدم على الذي لم يكن متفشيًا وإن كان أكبر منه، ودليل ذلك أن الله بدأ بتحريم نكاح زوجة الأب قبل الأم، ولا يعني ذلك أن نكاحها أشدّ جرمًا من نكاح الأم، ولكن بدأ الله به لما كان أكثر انتشارًا في الجاهلية، قال الله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ... } الآيات [النساء:22،23] ، ذكر هذه الفائدة الدعوية الشيخ/ مصطفى العدوي في"التسهيل لتأويل التنزيل".
ومسألة الحاكمية قد جمعت بين شدة الجرم وسعة الانتشار، فينبغي الاهتمام بها ووضعها في غاية العناية.
3)لأن العلماء كانوا يهتمون بعلاج الانحراف في عصورهم: فالانحراف البارز في عهد الإمام أحمد هي قضية خلق القرآن؛ فأولى هذه المسألة اهتمامًا بالغًا، وصدع بكلمة الحق، وأوذي، وسجن، وجلد وصبر.
والانحراف في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية كان في باب الأسماء والصفات؛ فنرى أنه أولاه اهتمامًا كبيرًا، وفي زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان في توحيد الألوهية فأولى ذلك اهتمامًا، وكتبهم شاهدة على ذلك.
واليوم الأمة تعاني من الانحراف في قضية الحاكمية، وفي منازعتهم لحق من حقوق الله وهو حق التشريع والحكم، والقاعدة تولي هذه المسائل جل الاهتمام، يقول الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في"عمدة التفسير" (4/ 1174) : [أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوروبة الوثنية الملحدة؟ بل تشريع يدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه، ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها .. ] .
وقال أيضًا: [إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه وكل امرئ حسيب نفسه] أ. هـ. وانظر (الحكم بغير ما أنزل الله) للمحمود ص195.
وقال الشيخ الشنقيطي في"أضواء البيان" (3/ 259) : [وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه، مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله -صلى الله عليهم وسلم-، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم] أ. هـ.
4)لأن من الناس في هذه المسائل من ألبس المرجئة ثوب السنة: ولم يحرر مذهب أهل السنة من مذهب المرجئة، فأصبح من المهم توضيح ذلك؛ لأن هذا المعتقد له تأثير كبير على أرض الواقع، فهو يخدِّر شباب الأمة ويجرها نحو الذلّ والضعف والبعد عن الجهاد، وصدق من سماها"فتنة التخدير".
نعم إن الإرجاء له دور كبير في انحطاط الأمة فالله المستعان، فإذا كانت القاعدة مهتمة بهذه المسائل فهل تلام على ذلك؟