الصفحة 22 من 25

ضرورةٌ أخرى تلح على الاستعداد والمبادرة بأخذ أسباب القوة والشوكة، ضرورةٌ وجدانيةٌ فطريةٌ، استشعرت هوية الباطل وتلمست قواعده في الحركة والتعامل، فأدركت بإلهام طبعي صورة المواجهة مع هذا العدو، وأنه محتوم بصراع مسلح عنيف لا يقبل المساومات {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} ، والإحساس بالحق ذوقًا ووجدانًا يرافقه التأمل في صفاته المستعلية وحقوقه المتأبية وكبرياءه الثابت، ومثله الإحساس بالباطل يرافقه رؤية استكباره وجبروته وعناده، وبتمازج الإحساسين تتولد ضرورة نشوب الصراع، وحتمية اندلاع النزاع حتى تعلو كلمة الحق الحقيق بنفسه، وتزهق روح الباطل الذميم بأصله، وتبقى هذه الأحاسيس والتلمسات مصدرًا مستمرًا في تغذية الصراع مساندة للضرورات الأخر، ويشاركها في دفق اليقين الوجداني أحداث وفصول وقصص تدور على مسرح الواقع تزيد في نبض تلك الأحاسيس وتجعلها قيمة عقائدية مسلمة، ومثلا مما نحسه ونستشعره في الواقع من مجريات الأحداث المعاصرة التي تؤكد أن الصراعات التي تحكم وجود أقوامٍ وفناء أقوامٍ لا تدار دون وجود عملٍ عسكريٍ أصيل، ومما يدلك على ذلك:

أولًا: أقطاب العالم الكبار أو قطبهم الأكبر (أمريكا) لم يحصل على نجم القطبية لولا استحواذه على مقاليد القوة والسيطرة في العالم، وقد خاضت أمريكا حروبًا كثيرةً في القرن الذي مضى إدراكًا منها لهذا المعنى المحسوس والذي تسميه بالأمن القومي، ومن جديد خرجت على العالم بمفهوم الحروب الوقائية التي هي امتداد لإحساسها بالخطر وهو نوع من الاستشعار البعيد المدى.

وبغض النظر عن سلوكيات هذا الأمة الفاجرة وعقائدها وقيمها فإني لا أرى إحساسها هذا بعيدًا عن الصواب، فأمةٌ بلغت هذا المجد في عيون الأمم تدرك معنى القوة، وتفهم فلسفة الحروب، لذا تسعى في الاحتفاظ بمكانتها عبر طريقٍ واحدٍ يستشعره البشر هو الأخذ بأسباب القوة.

ثانيًا: اضرب مثلًا بكثيرٍ من الثورات الحديثة الفرنسية والشيوعية والصينية والألمانية والكوبية وحركات التحرر في فيتنام ونيكراغوا والهند الصينية وغيرها .. التي نالت ما تريد بطريق العمل المسلح الذي يقارع السبب بالسبب واليد باليد والآلة بالآلة والذي يعد انفعالًا طبعيًا في خضم صراع هذه متطلباته.

ثالثًا: لا نذهب بعيدًا فهذه الحكومات التي تستبد ديار الإسلام ألم تأت على ظهر انقلابات عسكرية مسلحة، فالحكومات العربية والإسلامية (بزعمها) التي تدعي الحرية و"الديموقراطية"اليوم هي التي جاءت بالقوة والسلاح كالثورة (ثورة الضباط الأحرار) في مصر، وتحرك البعث الكافر في العراق وسوريا، حتى آل سعود الذين جاؤوا بعد قتلٍ وسفكٍ كثيرٍ للدماء (ولم يكونوا تكفيريين ولا إرهابيين وقتها!!) في حربهم مع آل الرشيد والشريف حسين، وغيرها من الأعمال العسكرية التي مكنت للحكومات الحاضرة في العالم الإسلامي.

وهي (أي الحكومات) تؤمن بهذا الطريق إلى لحظتنا هذه وإلا لما رأيت منها هذه الإجراءات الأمنية الصارمة والمشددة لمنع ولادة أي قوةٍ منافسةٍ لأيّ نظام، لاستشعارها بأن القوة المعادية متى وجدت كان تهديدًا لوجودها وكيانها، أحداث ووقائع دلالاتها كالشمس في وجدان كل من تصدى لصراع وهم بقطع طريقٍ يكثر فيه الأعداء.

لا شك أن العالم اليوم تحكم فيه قوى مختلفة كالقوة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والمواقع الجغرافية وغيرها .... ولكن هذه القوى وحدها لم تكن كافيةً لجعل أحدٍ ما متحكمًا بالقرار والمصير والحسم، ولولا القوة العسكرية المتشكلة من تعاضد تلك القوى مجتمعة لما وجدت أمةٌ لنفسها مكانًا في العالم، فاليابان على تفوقها الصناعي لم تنل حظ القطبية العالمية، فمع قدرتها الاقتصادية الضخمة إلا أنها مستغلةٌ أمريكيًا للتفوق العسكري الأمريكي الذي أرهب العالم بكل قواه واستعبد كل من عظمه وخافه من الدول، وحارب كل من خالفه وشاكسه من الأمم.

فأحداث العالم ووقائعه الحاضرة دليل بيّن على أن القوة عنوان الوجود، وخوض الصراع محتومٌ على من تعرض وجوده لأدنى خطر والدول التي تظن نفسها أنها تمتلك القوة وتحابي الدول العظمى وتسايرها في مخططاتها هي في حقيقتها مغصوبةُ الحقوق والإرادة، وتظاهرها بالقوة نوع من الخداع السياسي تمارسه أمام العالم وأمام شعوبها.

ــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت