لو انفردنا بالعقل جانبًا وتجاذبنا معه محادثات تتناول حقائق الصراعات والمنازعات ودوافعها ومآلاتها ونتائجها لحصلنا منه على تقريرات يقينية بمحاكماته البسيطة تيسر لنا فهم منطق الدفع العُنفي (أو القتالي) ، ومما يستحضره العقل الواعي لمدارك الصراعات مسألة حاسمة وهامة، وهي مسألة التوازنات التي تعاير بها نتائج الصراع، فمتى اختل قانون التوازنات رجحت كفة أحد الخصوم على الآخر وفاز بجولته، ولفهم مسألة التوازنات لابد للدارس والمتأمل أن يرجع إلى عناصر ومقومات خوض أي صراع وهي كثيرة متنوعة تساهم فيها متعلقات تاريخية وعقائدية وبشرية واقتصادية وسياسية، ولكن المقومات الرئيسة والتي يشكلها تنوع تلك المتعلقات ويجعلها تطفو على سطح الصراع وتبرز كعوامل فاعلة ومؤثرة هي مقومات القوة وعناصرها المساعدة {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، وعندما استشارت بلقيس قومها في أمر الكتاب الذي أرسله إليها سليمان عليه السلام ومارس عليها وعلى قومها ضغطًا سياسيًا معينًا استحضر قومها سريعًا عناصر الصراع الرئيسة عندما توقعوا مواجهةً مسلحةً:
{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَاسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ} .
والعقل يقر بوحي من الواقع أن الصراعات الحديثة تقوم على أساس التفوق البشري في استثمار المادة وتطويعها إلى سلاح ذو بأس شديد يعزز مكانة صاحبه بين الخصوم ويملكه قوة يستهيبها أعداؤه، وبغض النظر عن فصول المعركة المتعددة والتي تبدو تارةً سياسةً وتارةً أخرى إعلاميةً وتارةً اقتصاديةً إلا أن عوامل الحسم تبقى رهن المعركة العسكرية المسلحة على اختلاف صورها وأشكالها، لأن الصراع يتشكل في مراحله الحاسمة على هيئة القتال المادي المسلح فهو الذروة التي يتجلى فيها الصراع، وتبرز فيه مقومات كل الأطراف المتصارعة ويقترب وقتها من الحسم، وعندها يستثمر المتصارعون معارك أخرى سياسية وإعلامية واقتصادية لترجيح الكفة لصالحهم، وتبقى القوة المسلحة المادية وإلى جانبها القوة المعنوية النفسية المرجح الرئيس لخوض أي صراع وفق قوانين العقل وحساباته، ولكن لا يعني هذا أن القوة المادية وحدها هي الحكم في القرار النهائي للصراع بل تشارك القرار عوامل أخرى بالتأكيد وخاصة الشق الثاني من معادلة القوة وهو العامل المعنوي فدمج المادي والمعنوي مؤهل جيد لخوض صراع شرس، والانفراد بأحدهما دون الآخر بادرة انكسار وخسارة، وما نريد أن نؤكد عليه هنا أن خوض الصراع دون تأهيل مادي قتالي يكون رأس الحربة في المواجهة لا يبشر المصارع (إن تصدى للصراع أو فرض عليه الصراع) بنتيجة طيبةٍ سارةٍ، فالانكفاء عن هذا النوع من القوة المادية العسكرية والهرج بطرق أخرى دبلوماسية وتفاوضية دون قوة تؤثر في التسويات (إن كانت مجدية) لا يكون إلا نوعًا من الاستدراج والمكر السياسي الذي يمارسه الخصم القوي، والذي يتبدى للخصم المتنازل عن القوة بأنه استسلام محض ورخيص.
ومحاكمة العقل البسيطة عند نشوء الصراع أن كفتي الصراع تتساويان وقت حصول توازنات في القوى بين المتصارعين وترجح إحدى الكفتين على الأخرى عندما يتفوق أحد المتصارعين بتفعيل عنصر القوة بشكل أكبر، ويكون ذلك:
أولًا: بامتلاك القوة.
ثانيًا: البراعة في ممارسة أساليب القوة، أي ما نعرفه في العرف العسكري بفنون القتال.
ثالثًا: الجلد والثبات والعناد الذي يستند إلى ظهر معنوي قوي متين، والذي يظهر للخصم أفقًا لا نهاية له من الصمود والالتزام بالمواجهة، فينكسر عوده مهما كثر عدده وثقل عتاده.
فربما امتلك الخصم قوة ليست بالكبيرة ولكنه تفوق بحسن اختياره لفن قتالي يناسب معركته على الأرض ويلاءم طبيعة عدوه الذي يحاربه، فتحسم المعركة لصالحه، والحاصل أن القتال مع كل مضاعفاته هو كسبٌ أكيد للقوة وبرنامج جيد لممارسة أساليبها وتقنياتها، ومؤداه أن منطق القوة والجهاد القتالي هو العامل المؤثر في حسم الصراعات مع عوامله المساعدة، وكل دعوة أو فكرة أو منهج أو جماعة تعرف لها أعداء في الأرض وتتوقع في مقدمات سيرها خوض صراع مع عدو محتمل ثم لا تتهيأ بمنطق قوة الدفع والجهاد لن تجد لنفسها مكانًا في هذا العالم مهما اتسع، وأقول هذا الكلام بناءً على أن الدعوات تقوم بأفكارها ومناهجها لا بأشخاصها، ولعله يبقى من الدعوة أشخاصًا وأشباحًا ولكنهم مهزومون موتورون، انقطع نسبهم بدعوتهم التي سحقت تمامًا ببطش العدو أو استغلت في تلميع صورة الباطل وإنعاشه بشيء من الحياة، فليتذكر هذا أصحاب ما يسمى بالدعوات المعتدلة والإصلاح التربوي اللطيف، قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/ 199) : (وإذا طَرَقَ العدو من الكفار بلد الإسلام طرقوه بقدر الله، أفَيَحِلُّ للمسلمين الاستسلام للقدر، وترك دفعه بقدر مثله، وهو الجهاد الذي يدفعون به قدر الله بقدره؟) .