الوجه الثاني المبين لإلحاح الضرورة الدينية إلحاحًا دائمًا مستمرًا بوجوب القتال، هو التكليف الشريف الذي حمّله دين التوحيد في أعناق أتباعه والمؤمنين به، فقد استأمن أهله الذين يقولون لا إله إلا الله ويعملون بها أن يقوموا بواجب حمايتها والذبِّ عن حقوقها حال الاعتداء عليها أو الاعتداء على أهلها أو على مقدساتهم وشعائرهم وأراضيهم، فعند ذلك يستصرخ دين التوحيد أتباعه استصراخ المصاب الهلوع، ويستحثهم أن يهبوا في غضبةٍ تثور لها دماؤهم ثورة البركان الهائج، وتجيش لها نفوسهم جيشان المنكوب بفقد العزيز الغالي، ويحذر هذا الدين العظيم من الركون أو القعود أو الاستبطاء في تلبية إلحاح ضرورة الدفاع ورد العدوان، ويجعل القعود دونها ثلمة عظيمة في إيمان العبد وعقيدته، فإذا هدأت نار الجهاد، وخارت صولات الحسام في مثل ذاك المصاب، فقد وقع بالإسلام فاجعة الفواجع، واعترى المسلمين عار الدهور كلها، وبكت على أيامه العيون ولا بواكي حينها.
لذا حرص الإسلام على تأصيل قاعدة القتال الدفعي حال وقوع الاعتداء والغزو على بلاد المسلمين، فأمر بالقتال وأوجبه على كل مستطيع كبير أم صغير، رجل أو امرأة، حر أو عبد، وفي هذا الصدد يقف البيان الإلهي عند هذه الحقائق ويعلنها بالإذن العام من وراء الأزمنة والقرون وحتى تقوم الساعة بأمره فيقول عزّ مِن قائل {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} ، روى الطبري (17/ 173) : (عن ابن عباس قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن عباس: فأنزل الله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال) انتهى.
فقد وجب الجهاد عند تعرض دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم للانتهاك يقول سبحانه وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
واستنقاذ المستضعفين من المسلمين ونصرتهم وحماية دينهم وكرامتهم ورفع الظلم الواقع عليهم، صورة من صور الدفع الواجب بقتال العدو ومناوشته وإلحاق الضرر الجسمي والنفسي في صفوفه بأقسى الوسائل الممكنة قال تعالى:
{وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} .
وقال تعالى {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
وقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
كما أنا إذا تأملنا في واقعة طرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليهود بني قينقاع تبين لنا من مجموع مصادرها التاريخية أن إجلاءهم كان نتيجة عدوان حصل منهم على أمن المسلمين، ومما يستأنس به ما روي من أن رجلًا منهم كشف عورة امرأة مسلمة ليضحك الناس عليها فقتله رجل من المسلمين كان حاضرًا، فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل اليهودي الذي رام إذلال المسلمة، بل كاد أن يقتل بقية يهود بني قينقاع حتى شفع فيهم رأس النفاق بالمدينة لعنه الله وأخزاه، فترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قتلهم لمقاصد شرعية وأجلاهم عن المدينة.
وأما تأخير الواجب الجهادي من الدفع والقتال لرد العدوان أو الاستبطاء فيه بحجج باردة سمجة كدماء أصحابها فهو فتح الباب الواسع لفتنة تعم الأرض وشروع بفساد عظيم هائل يطال السماوات وما تحتها، ولهذا التأخير معنى واحد في معادلات الكون، وهو الإذن لحركة الباطل أن تمتد وتتسع زاحفة على رقعة الحق باسطة الشوكة والسلطان، ضاربة الجذور في الأرض، مستوطنة في ديار الحق والتوحيد مشعرة بعدم ظهوره تارة أخرى، وهي تسعى وتدأب في طمس معالمه في تلك الديار، وتحاول اغتياله وقتله عند كل ولادة ونبات جديد، يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} .
روى الطبري في التفسير (10/ 56) : (عن ابن جريج قوله: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) انتهى.
قال الشوكاني في فتح القدير (2/ 329) : (وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم، قوله إلا تفعلوه الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاه المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور وترك موالاة الكافرين، تكن فتنة في الأرض: أي تقع فتنة إن لم تفعلوا ذلك وفساد كبير أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا) انتهى.
وقوله تعالى {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، تعبير آخر عن طبيعة المعركة بين الحق و الباطل، فالباطل مصرٌ على إزهاق روح الحق، ووسيلته الفضلى لتحقيق غايته هي القتال، فإن قعد أهل الحق عن مقارعة الباطل بمثل وسائله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ، وقع مراد الباطل بردة أهل الدين ونكوصهم عن الحق وانتشار الباطل وتمكنه، ولا نعلم في ديننا وسيلة أخرى لكبح جماح رغبة الباطل في قتال الحق وطمس معالمه، بل هذا ما أرشدنا إليه القرآن وهو فعل نبينا - صلى الله عليه وسلم - في صد باطل الشرك وإلغاءه من الوجود، القتال ثم القتال حتى لا تكون فتنة، وهذه النتيجة المأساوية التي لا يدركها كثير من المسلمين وخاصة عندما ينزل أعداؤهم في بلادهم قد نبه عليها القرآن في وصف غزوة الأحزاب وإحاطة المشركين بالمدينة فقال سبحانه:
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} فلو دخل المشركون المدينة لاستعلوا فيها بفتنة الكفر والشرك ولوجد القاعدون المتعذرون عن القتال أنفسهم أمام فتنة عظيمة في الدين وقد أخذتهم الغفلة عن الواجب الجهادي إلى هذا المضيق الذي يختنق فيه دينهم وإيمانهم حتى الموت إن هم أطاعوا أهل الكفر والشرك بعدما تسلطوا على رقابهم، هذه هي حقائق الصراعات وهكذا ينبغي أن يعي المسلمون الأحداث من حولهم، ففتنة الكفر التي دخلت على أمة الإسلام من أقطارها جميعها هي البلاء الأعظم الذي أصاب الأمة، والرضا به والركون دونه هو بريد الفتنة فضلا عن محاباته ومجاملته والتصفيق له .. ! فذاك الكفر الصراح الذي لا يقبل بعده من مسلم عذر.
والملمح الغريب في هذا الوجه من الضرورات الدينية الداعية للقتال أنه يعود في أصله إلى الوجه الأول وهو حماية جناب التوحيد وحفظ دعوته، فغاية جهاد الدفع هو حفظ الدين وبقاءه، وبقاء الدين لا يمكن دون بقاء أهله وبقاء أرضهم التي تقام فيها شعائر التوحيد وتطبق فيها حدود الإسلام، وتعظم فيها حقوق الرب العظيم، يقول سيد قطب رحمه الله: (وحقيقة أن حماية دار الإسلام حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج، ولكنها هي ليست الهدف النهائي، وليست حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها، وإلى النوع الإنساني بجملته، فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير) تفسير الظلال (3/ 1441) .
وماذا عن اليوم الذي تعيشه الأمة؟ لو أخذنا صورًا متفرقةً من واقع الأمة المتناثر لصرنا نعي خطورة الحقيقة التي أسلفناها فيما مضى من الكلام، وملامح هذه الصور تتبدى لنا في النقاط التالية:
أولًا: الغصب اليهودي لأرض فلسطين الذي تمادى ثم تمادى وطال عليه الأمد إلى ما يزيد على نصف القرن، ها هو جاثم على أرض الأمة الإسلامية وفي كل لحظة تمر يزداد الغصب اليهودي قوةً وشراسةً لولا بقية من أبناء الأمة عرفت دواء هذا العدو بالجهاد والسلاح، وترك هذا الغاصب في فسحة من الزمن ريثما تتهيأ الأمة كلها لجهاده بقوى موازية أو إعدادات مكافئة هو عين الخلط والخبط الذي فتح لهذا العدو إمكانية الإعداد والتجهيز والسيطرة على الأرض، حتى بات كما يرى العالم اللاعب الرئيس على أرض الإسلام والمتحكم بالقرارات والسياسات التي تخدم مصالحه وتعزز سلطانه وتؤمن له مساحة واسعة من الأمن القومي كما يزعم .. عن طريق استئصال أي حركة ناهضة بالدين والتوحيد، وتدارك خطورة أي تداعيات لأي عمل جهادي إسلامي في أرض الشام والعراق والجزيرة ومصر، فهو المِبضع المسموم الذي يلوك أحشاء الأمة ليصل إلى فؤادها فيصيبها بمقتل لا قدر الله.
ثانيًا: الغصب الأمريكي والعالمي لأفغانستان، وقد كان غزوًا كفريًا معدًا لضرب بواعث الجهاد التي بدأت تتحرك من تلك الأرض المباركة، وعلى رغم قلة تلك البعوث وضعف إمكاناتها إلا أنها صدرت الرعب والخوف إلى أباطرة العالم ورؤوسه الكبار فجمع الباطل كيده ثم أتى على أمر من باغية العالم أمريكا، فدك تلك الأرض الطيبة وقتل نساءها وأبنائها وشيوخها، وطمس معالم إمارة إسلامية وليدة، واتخذ من تلك الأرض قواعد لأطماع متجددةٍ ومستمرةٍ، يلاحق منها أبناء الإسلام أينما كانوا (كما صرح بذلك بوش) .
ثالثًا: الغصب الروسي لأرض الشيشان وغيرها من بلاد الإسلام وما جرته حروبه القريبة على تلك الديار من خراب وهلاك للزرع والنسل، مما لا يخفى على مطالع لأحداث هذا الزمان.
رابعًا: الغصب الهندي لأرض كشمير وغيرها واستباحته لدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
خامسًا: صورٌ قديمةٌ أصبحت اليوم منسيةً لا تذكر ويراد لها ألا تذكر حتى لا تتفتق عروق شبابنا بالجهاد، فاليوم لا يذكر غصب الأندلس ولا الغصب الواقع لكثير من أراضي المسلمين في الشرق الآسيوي، قد مر على ذهابها زمن، فغابت ذاكرة الأمة عنها فهي في طي النسيان، فلا يطالب فيها أحد في وقت من الأوقات.
سادسًا: الغصب المرتد لمعظم أراضي المسلمين اليوم، وقد أخّرت الكلام عليه لا للتهوين من أمره ولكن لاعتبار ما علق في أذهان كثير من أبناء الأمة إلى أن الغصب لا يكون إلا من أجنبي كاليهودي والأمريكي والفرنسي أما أن يكون الغاصب عربيًا فهذا لا تسيغه الأهواء والأمزجة العرقية والعصبية والقومية، لذا أخرته تنزلا مع الذهنية المعاصرة، ولا يعني أبدًا أن نتهاون مع هذا النوع من الغصب فهو الأشد والأنكى على أمتنا الإسلامية، وضرورات منابذة هذا الغصب ومعالجته بالجهاد أولى من غيره وذلك لأمور:
-أن هذا الغصب فرع عن بلاء أعم و قع بالأمة وهو ظاهرة الردة الحديثة التي تفشت في بلاد المسلمين، حيث نبت في أرض الإسلام زرع خبيث نكد، يحمل في سوقه ثمار دعوات كفرية صريحة كالدعوة إلى العلمانية والقومية الملحدة والشيوعية و"الديموقراطية"وغيرها من مورثات الكفر العالمي الحديث، ثم توطنت هذه الدعوات المزينة في أرضنا حتى إذا تمكنت بمعونة أسيادها من الغرب انقلبت على أهل الإسلام وغصبت ديارهم وقتلت من تصدى لها من أبناء دينهم وحاربت شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرًا وباطنًا، ولا يخفى أن أحكام الشرع في التعامل مع ظاهرة الردة شديدة وقاسية لأن تكرار مثل هذه الظاهرة في الواقع المسلم يهدم مباني الدين وأصوله ويمنع من إقامته وتمكنه في الأرض، فهي من جنس الردة التي ينبغي أن تُوأد سريعًا وبأقسى الطرق.
-أن هذا الغصب أشد تلبيسًا وتزيينًا في عقول المسلمين من غيره، فهو من أبناء الجلدة الذين يتكلمون بلساننا ويعيشون بيننا وقد خرجوا على الأمة بدعوات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فهم يتمسحون بالحرية والوحدة والتقدم والأمن الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، ويلوون ألسنتهم طعنًا في الدين فبعضهم يردد
لا إله إلا الله وهو أشدهم عليها أذى، وغالبهم يتظاهر بالإسلام وفي الليل ثعلب ماكر يتوسل إلى مراده بالكذب والخداع، وهو مع هذا يمارس أعمال الردة الظاهرة عبر تطبيقات نظرياته الكفرية وقوانينه الطاغوتية فوق أرض الإسلام، ويظن أن خديعته ستنطلي على المسلمين لولا فلول الجهاد السائحة المتيقظة للدسائس والزخارف فهي عائقه الوحيد ومؤرقه العنيد.
-أن دواعي بقاء هذا الغصب وتمكنه واستمراره أولى من غيره لأن الغاصبين المرتدين هم آباؤنا وأبناؤنا وإخواننا وأعمامنا وعشيرتنا وقبيلتنا وقومنا، والنفوس لا تطمئن ولا تقوى على مقاتلة ومصارعة القريب فأواصر القربى شديدة التلاحم والترابط وتفكيكها بالقتال ليس بالأمر الهين، لذا يكون بقاؤها وتلبيسها أكبر من غيرها فالنفوس تضعف أمام هذه الدواعي، وتتنصل من هذا الصراع الذي أقل ما يقال فيه هؤلاء قوم يقتلون آباءهم وقومهم وأبناء وطنهم، ثم لا يلبث الغرب أن يصنفها حربًا أهلية، وتثور من وراءها الفتن كما يتصور الخوالف من المتفقهة، فمثل هذه الحرب لا يخوضها إلا أهل الصدق الذين جردت معادنهم خالصة للتوحيد لا يقيمون غيره ولا يوالون ولا يعادون إلا فيه، اشتعل فيهم وقود الإيمان فحرر في نفوسهم سبائك الإخلاص وأذاب دونها عوالق العصبية والنسب والرحم، فهم البدريون في هذا الزمان، فلله درهم ما أبهى مطالعهم.
-أن هذا الغاصب المرتد هو الذي مكن للغاصب الأجنبي في بلاد الإسلام فدون معونته ومدده لا يستطيع اليهودي والأمريكي والفرنسي والبريطاني أن يقيم في أرضنا، فهو المتآمر الأول مع العدو الأجنبي على الإسلام والمسلمين، والأجنبي يتستر من وراءه ويتذرع بصداقته وولايته ليصل إلى مآربه على الأرض، فكل منهما يؤازر الآخر ويعاضده، لعلم الغاصبَين أن مواجهة الإسلام ليست طريقًا سهلةً مذللةً.
والتحقيق في صورة هذا الغصب يجلي أمر الأنظمة الحاكمة اليوم في ديار الإسلام فوجود هذه الأنظمة هو أكثر من عدوان على الأرض والأموال بل هو إصرار وعزم أكيد على سحق أي محاولةٍ نهضويةٍ تعيد للدين عافيته، وهذه الأنظمة تنفق الغالي والرخيص للصد عن وصول الشريعة الإسلامية إلى سدة الحكم مما يعني تمكين الشريعة وعودة سلطان الدين ومحاسبة الناس على مقياس التوحيد، وإدراك هذه الحقائق لا يحتاج كثيرًا من المنصف المتأمل، والعلم بها من باب العلم بالواقع الذي يستطيعه الكثير وليس حكرًا على طلاب الشريعة والدين فحسب، فليس بمستغرب بعدها أن ترفع راية الجهاد ضد هذه الأنظمة الغاصبة على اختلاف أقطارها ومناهجها في السيادة والحكم، فالغصب متحقق في الشام لكل من سوريا والأردن ومثله في جزيرة العرب لكل من السعودية والخليج واليمن ومثله مصر والمغرب العربي وعليه الحال في باقي ديار الإسلام، طوائف وأنظمة وأحزاب ودعوات تمكنت من أرض الإسلام في غفلة من أهلها فأخذتها لقمةً سائغةً دون تعب وعناء، فمسؤولية المسلمين اليوم إعادة حقوق الإسلام وشرائعه إلى مكانها اللائق في السلطان والسيادة ولو كلف ذلك بذل الكثير.
والجهاد مفروض اليوم لأنه المطية الوحيدة إلى تلك الغايات، فقد عرف عن تلك الأنظمة أنها تنتهج القتال والعنف لتحصيل مرادها وهي تردد على الدوام أنها ستقاتل كل من تسول له نفسه مساسًا بنظامها الكفري، فمقارعتها شرٌ لا بد منه على أقل تقدير.
سابعًا: الغصب النصراني الماروني للبنان حتى أصبح المسلمون فيها يصورن على أنهم أقلية لا يستحقون ما كان لهم في زمن من الأزمنة، ويجردون من تاريخهم الذي يعكس حقوقهم في تلك الأرض.
ثامنًا: الغصب الأمريكي والعالمي للعراق، وهو يشكل النكسة المتأخرة في حياة الأمة، وهو يخرج عن كونه مجرد غزو، فالحروب الصليبية الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تدرس على نسقها الذي بدأت منه فهي حروب عالمية شأنها التصدي لعالمية الإسلام، وهي حروبٌ دينيةٌ لأنها تسعى لفرض القيم الأمريكية والرؤية الغربية للكون والحياة في ديارنا، فهي لا تقف عند حدود غصب لأرضٍ أو انتهاكٍ لدمٍ أو عرضٍ، بل خطرها يمتد إلى مستقبل العالم وما ترمي إليه مخططات هذا الغزو في المنطقة من دعم للكيان اليهودي والتيقظ لكل صيحةٍ إسلاميةٍ تستنهض همم أهل الإسلام وتستحثهم على الجهاد، وكما أن تكثيف التواجد الصليبي في المنطقة يعني الحفاظ على الخرائط المرسومة لواقع الأمة بترسيخ الانقسامات واللعب بالسياسات، وتغييرها في الوقت الذي يلاءم مزاج الصليبين وأهواءهم وعلى الطريقة التي يحبونها.
وهذان الوجهان من الضرورة الدينية يستوعبان غيرها من الوجوه التي تستدعيها الضرورة الدينية كتوحيد أرض الإسلام وقتال البغاة وطوائف البدعة لهذا اكتفينا بهما عن سرد غيرهما وأدلة هذين الوجهين واضحة في الدلالة كما مر، وعليه أهل الإسلام وعلماؤهم وفقهاؤهم في فرض الجهاد وظروف وجوبه وتعينه، وهي متحققة متهيئة في واقعنا اليوم كما بينا، فاللحاق بالفرض هو أولى الأوليات ولا اعتبار لشرط أو مانع أو قيد إلا ما يدخل في تحقيق مصالح أداء فرض الجهاد إذ في مثل حال زماننا تسقط الشروط والقيود والموانع لتسهيل أمر الجهاد وفتح أبوابه، وإلا لزمنا اليوم أن نعطل هذا الفرض وتصبح ضرورته التي تلحُّ علينا محالًا لا نستطيع تحقيقه والقيام به.
ـــــــ