الصفحة 23 من 25

النظر في التاريخ هو نظر في السنن والقوانين التي تنظم علاقات الكون والحياة، ومن جملة هذه السنن سنن الصراع والهلاك والبقاء وسنن النصر والهزيمة وسنن العلو والهبوط التي جعلها الله سبلًا لمن أراد أن يهتدي لمطلبٍ عزيزٍ أو يصل لمرادٍ رفيع.

ولو مررنا بالتاريخ لحدثنا الكثير الكثير عن صراعاتٍ حشاها في جعبه، وأشهر ما يتردد عند ذكرها هو الإنجازات التي قدمتها صراعاتٌ كبرى، وحروبٌ شرسةٌ كانت منعطفاتٍ بارزةً في تكوين التاريخ، و الذي يعنينا هو تاريخ الصراع الديني الذي قادته الرسل والأنبياء بتكليف من الله جل في علاه، فقد أُمروا بالدعوة إلى الحق ومحاربة الباطل ومعاداته، فحملتهم دعوتهم على نوعٍ من الصراع لم يشهد التاريخ مثيلًا له في حركته واحتدامه، فكانت صراعاتهم القديمة تصل إلى لحظة العنفوان والبطش الذي ينذر بالحسم، وحال كثيرٍ من الأنبياء وأتباعهم حال القلة الضعيفة التي لا تقوى على الحسم المادي، والاستمرار بالمواجهة على هذا النحو دون أمرٍ بالقتال أو الاستعداد المادي هو تعريضٌ بالهلاك، لذا كانت حكمة الله تأبى على الدعوات أن تواجه خصومها مواجهةً مسلحةً حاسمة ً لأمرٍ أراده الله.

ولكن معادلةَ القوة كانت غالبةً لصالح القلة المؤمنة، لتكفل الله عز وجل ببقية الصراع ونتائجه، إذ يأمر النبي وأتباعه أن يخرجوا من أرضهم أو يفارقوا قومهم أو يهربوا تلصصًا، كما حدث مع نوح عليه السلام وكذلك لوط ومن معه، ثم يحين موعد الفصل والحسم للصراع، ولكن دون جهد المؤمنين وسببيتهم، بل يكون الحسم بقدرة الله المتفردة، فيأتي أمره سبحانه على القوم المشاقّين بالهلاك القدري المحتَّم فلا تبقى لهم باقية تسر، ويحيق الموت بهم وبنسائهم وذراريهم وقراهم ومدنهم، ثم تكون خاتمة الصراع، هكذا كانت النهاية في الصراعات الأولى، فإن كان المؤمنون على قلةٍ وضعفٍ من القوة المادية كانت القوة الإلهية جبرًا حاسمًا يكفل لهم النصر و التأييد في معركتهم.

ولكن السنة الربانية، والحكمة الإلهية اقتضت أمرًا آخر في إدارة الصراع الديني التاريخي، فقد أراد الله عز وجل أن يكون المؤمنون عاملًا هامًا في حسم الصراعات التاريخية، ورغب لهم المشاركة اليدوية في ترجيح الموازين وقلبها، فشرع لهم أولَّ تشريعٍ بالجهاد والقتال على زمن موسى عليه السلام:

{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، وكانت بداية عهدٍ جديدٍ في تاريخ الصراع الديني بين الحق والباطل، وبدأت سنن الدفع القتالي الجهادي تتبدى وتبرز في ملامح تلك الصراعات من بعد نبي الله موسى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى قوله: ... {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} ، وعندها ظهر السلاح وقيمه الأخرى من القوة والبأس والشوكة كرموزٍ إيمانيةٍ تستولي على قلوب المؤمنين بالله ووعوده بالنصر والغلبة.

أخذ هذا التشريع بالاتساع والتأصُّلِ حتى بلغ ذروته واكتماله على عهد النبي الخاتم رسولنا محمدٍ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعندها صار تحقيق التوازن والغلبة في معادلة القوة أمرًا موكولًا لجهد المؤمنين (حسب استطاعتهم كما تبينه نصوص التنزيل .. {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} .. ) مع صدقهم وإيمانهم بتأييد الله لهم وحفظه لجهادهم وأعمالهم فقال سبحانه {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} ، فصار حسم الصراع منوطًا بكسب المؤمنين وما تقدمه أيديهم من الجهاد والدفع المادي لباطل الكفر والشرك وكل ذلك في ظلال الرعاية الربانية وحفظها، وصور جهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ماثلةٌ في قلب كل مسلم وهو يأتمر بقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ، قوله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، مع العلم أن الشكوك والتخرصاتِ التي يلقيها المثبطون والقاعدون عن الجهاد كانت موجودةً ومتحققةً في زمانه - صلى الله عليه وسلم -، فكان يجاهد بفئةٍ قليلة العدد نسبةً للواقع الجاهلي المحيط به، والعلم الرباني لم ينتشر في الواقع ذاك الانتشار، والإسلام مازال محاصرًا في بقعةٍ صغيرةٍ تسمى يثرب، ثم إن جهاده عليه الصلاة والسلام قد أَلَّبَ عليه الأحزاب من بعد فأجمعوا أمرهم لغزوه في مدينته، وكان كثير من الصحابة بل العدد الأكبر منهم قد خاض المعارك والحروب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - دون برامج التربية والتعليم التي يدندن حولها المرجفون اليوم.

ثم سارت أمته من بعده - صلى الله عليه وسلم - على هذا النهج في مقارعة الباطل ودكه في جولاتٍ ومشاهد لا ينساها التاريخ، في شريط زمني ضخم امتلأت مقاطعه بحروب وغزوات وفتوحات لم تتوقف ولم تهدأ، لتسجل اللفتة التاريخية الهامة التي تؤكد ديمومة الصراع على اعتباره ثابتًا من ثوابت الحياة، ومع انضمام مجموعة الأحداث التي نعايشها ونتحسسها بتحول العالم إلى ساحات حربٍ عالميةٍ يطول شريط الزمن بعرضها، يعيد التاريخ تدوين الحقيقة بصيغ وعبارات وجمل تبالغ في إصرارها وتأكيدها على حتمية الصراع بين أهل الحق و أهل الباطل، بين معسكر الخير ومعسكر الشر.

ولتكتملَ حلقات هذا الشريط لنا إطلالةٌ على مستقبل الأحداث القادمة والختامية التي ترسخ هذه الحقيقة في جبين الزمن، نستبصرها عبر نصوص الوحي ومرويات الأخبار النبوية الشريفة، تروي لنا وقائع الأيام الأخيرة من حياة البشرية في مشاهد خاشعةٍ مهيبةٍ، نرى أن الإخباريين ورواة الحديث من أصحاب السنن وغيرهم كانوا يفردون تلك الأحداث بكتاب يسمى كتاب الفتن والملاحم يقصون فيه خبر تلك الحروب والملاحم التي تكون في آخر الزمان والتي توشك على نهاية العالم والتاريخ، ومما يعنينا في هذه الإطلالة خبر الطائفة الذي وقفنا عنده سابقًا في هذه الورقات، والذي يتحدث عن بقاء الجهاد واستمراره ولو على يد عصابةٍ قليلة، روى البيهقي في الكبرى (5/ 218) والطبراني في المعجم الكبير (7/ 53) عن سلمة بن نفيل قال: بينما أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله إن الخيل قد سيبت، ووضع السلاح، وزعم أقوامٌ أن لا قتال وأن قد وضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله:

(كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله

لا يضرهم من خالفهم، يزيغ الله قلوب قومٍ ليرزقهم منهم، ويقاتلون حتى تقوم الساعة ولا يزال الخيل معقودًا في نواصيها الخير حتى تقوم الساعة ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج).

فبقاء الطائفة المقاتلة المجاهدة أمر اقتضته سنة الله في الصراع، وثبات هذه الطائفة واستمرارها إرهاص ببدء ملاحم آخر الزمان في المنطقة تحديدًا (أي ما يسمى بالشرق الأوسط) فحروب في الشام والجزيرة وإيران ثم يتم الالتحام مع الروم (أوروبا وحلفاءها) ومن رواءها الملحمة الكبرى، وبعدها فتوحات للقسطنطينية تتوالى حتى تصل إلى روما، ثم يقع غزو الدجال ويقتل شر قتلة على يد نبي الله عيسى عليه السلام كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه مسلم (4/ 2223) : (عن يسير بن جابر قال ثم هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيري إلا يا عبد الله بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا، ونحاها نحو الشام، فقال عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام، قلت الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون ثم ذاكم القتال ردة شديدة .. الحديث) .

وروى مسلم (4/ 2225) : عن نافع بن عتبة قال: (كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي قال: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله، قال: فقال نافع: يا جابر لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم) .

ثم يبدأ زحف يأجوج ومأجوج والذي ينتهي بهلاك قدري من الله عز وجل، تتوقف عنده الحروب ويعم الإسلام الأرض بإذن الله تعالى.

فإذا وفقنا بإيجاد الترابط المنطقي بين سلاسل الأحداث الزمنية الماضية والحاضرة والمستقبلة سنقع على الحقيقة ذاتها، أن الصراع أمرٌ قدريٌ محتومٌ لا مفرَّ منه، وأن مفهوم القتال والحرب مفهومٌ بارزٌ متأصلٌ في الثقافة الإنسانية وبخاصة في العقائد الدينية التي تأخذ حيزًا أكبر في تحديد المسارات التاريخية ورسم مستقبلها، وتبقى سنن الدفع والمقاومة المسلحة على اختلاف ظروفها في حال وجود الدولة أو غيابها وفي حال القوة أو الضعف وفي حال تهيؤ الظروف الدولية وعدمها، تبقى ساريةً فاعلةً لأنها تعبير عن الاحتكاك والتفاعل الاضطراري بين الجبهات المتصارعة على اختلاف استراتيجياتها وبناها المقاتلة وتوضعاتها المكانية ومقدراتها المادية.

فلا يسعنا عند المرور بالتاريخ إلا أن نسلم لسننه وقوانينه، وأن ندرك طبيعة الوجود البشري القائم على الصراعات في الوجود والمصير والمصالح، وأن نعتبر في ذلك القوى الكامنة في تلك الطبيعة والتي طالما انكشفت عبر الزمن بصورة حروبٍ وقتالٍ ومنازعاتٍ مسلحةٍ دمويةٍ.

وبنظرةٍ أخرى يمكن أن نشهد هذه الطبيعة بقوتيها الأساسيتين: قوة الخير والحق وقوة الشر والباطل، وهذا المشهد للطبيعة البشرية هو الذي يغلب على الصراعات الدينية، وهو ما تؤمن به الطائفة المجاهدة في هذا الزمان، من أن الحق في جهة التوحيد وأهله، وأن الباطل في جهة الكفر العالمي العربي والأجنبي على اختلاف ألوانه وأشكاله {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .

ــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت