الصفحة 24 من 25

وقفةٌ أخيرة

جوهر الفكرة التي نصل إليها بعد عرضنا لدوافع أعظم حركةٍ كونيةٍ، أن المجاهد الذي يحمل سلاحه اليوم مدافعًا عن دينه وعقائده هو الإنسان الأكثر انسجامًا مع عمقه الروحي العقائدي، والأكثر انسجامًا مع محاكمته العقلية الجدلية، والأكثر انسجامًا مع وجدانه وحسه الداخلي، والأكثر انسجامًا مع ارتباطه وتعلقه التاريخي والمستقبلي، فالكون كله مدفوعٌ نحو الصراع والاقتتال، وتأخير التفاعل مع هذه الحقيقة فكرًا وعملًا هو إلغاء للوجود والذات بالتعرض لحمم تلك الصراعات دون أسبابٍ واقيةٍ ودافعةٍ، فمن ظن من أهل الدين والإسلام أن نجاته وربحه بعيدًا عن خوض هذه الصراعات، ودون أخذ مكانٍ لائقٍ في ساحة المعركة ويفعل كما يفعل النعام يدفن رأسه بالأرض متعاميًا الأحداث متجاهلًا متطلباتها وقت النوازل والملمات (كحال مرجئة الزمان) ، فهو ساقطٌ في وهمٍ كبير، فإثم القعود والتخلف يجرُّ على أصحابه مثل هذه الأوهام الخدًّاعة المحتالة، ولو عايش هؤلاء الموهومون طرفًا من هذا الصراع بواقعيته، لاختلفت تقديراتهم وحساباتهم، ولكنهم يظنون أن النجاة تكون لأبدانهم وأجسادهم، وهم بعيدون عن لظى المعركة القائمة التي بدأ حرها يزعج الجميع، ويجهلون أو يتغافلون من أن الصراع العالمي الآن أصبحت ساحته الأرض كلها، أي أن ساحة الحرب قد صغرت وشرار الحرب المتطاير لا يعرف أوصافًا دقيقةً للإرهابيين المطلوبين على قلتهم، ولكن الهدف الأكيد والمعلن للحرب هو ضرب أيدلوجيةٍ محددةٍ ومعينةٍ في الشرق الأوسط خصوصًا وفي العالم عمومًا، الأيدلوجية التي تقوم على أصولٍ إسلاميةٍ شرعيةٍ، قاعدتها التوحيد، ومنهجها الولاء والبراء، وطريقتها الجهاد والعنف الذي يلغي الآخر ويجعل الحكم والأمر والقضاء كله لله، فالصراع متوجه لأطرافٍ إسلاميةٍ كثيرةٍ غير مقاتلةٍ من العلماء والشيوخ والدعاة وطلبة العلم والمدارس والهيئات، فهذه الأطراف مع عدم دخولها في المعادلة العسكرية للصراع، إلا أن تكتيك العدو العسكري يفترضها عناصر محتملة التأهيل للدخول في هذا الصراع ولو بعد حين، فيقرر استئصالها من الآن (كبعد نظرٍ في أفقه العسكري والاستراتيجي) فهو يتعامل مع الصراع بالطريقة السننية الصحيحة، وأما القاعدون لا يدركون خطورة التأخر عن هذه المواجهة التي تستهدفهم ولو من بعيد، عليهم أن يدركوا بعد عرضنا لمفهوم الصراع القائم على التوحيد وضروراته العقلية والحسية والتاريخية أن المفهوم الخرافي للتغيير لا مكان له في السنن الربانية، بمعنى أن تجلس في مكانك لا تواجه ولا تتخذ السبب المعتبر لحمايتك وحماية دعوتك ومنهجك، كما كانت الرسل تفعل بهجرتها من أوطانها ومفارقتها لقومها عندما لا تقوى على المجابهة وتحمل الأعباء المادية للصراع، وأما أن تبقى الدعوة في أحضان أعداءها من أهل الباطل فلا هي تريد مواجهتهم بشرف ولا هي تقي نفسها شرهم فذاك تعريضها للهلاك إما بفتنة أهل الباطل لها أو ببطشهم بها وقتما يريدون.

وهانحن اليوم نلمس بوادر الفتنة التي أصابت الكثيرين من المنتسبين للإسلام من العلماء والدعاة _ ومن دونهم من باب أولى _ فقد أصبحنا نسمع بعد الحروب الأخيرة في المنطقة من كان له محاضراتٌ وأشرطةٌ وتقريراتٌ لكثيرٍ من مسائل الحق ثم هو بعد تلك الحروب، أصبح بفكرٍ آخر وبمنطقٍ آخر، ولربما كانت أشرطته وتقريراته قريبة عهدٍ ليست ببعيدة، فلا عجب في ذلك والله عزّ وجلّ يقول {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} ، فبعدما دخلت الحرب العالمية الحديثة على الإرهاب كل البلدان والأقطار والأقاليم، أصبحت الفتنة قريبةٌ إلى كل أحد من شراك نعله إليه، يقول تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وثبات أهل الجهاد على توحيدهم وإخلاصهم لربهم في هذا الصراع هو قامع تلك الفتنة بإذن الله ومزها من بلاد الإسلام الطيبة.

ولعله نكون وفقنا في بيان طريقتنا في القتال ودوافعنا المحرضة باختصار شديد وإلا فكثير مما ذكرناه يحتاج لأدلةٍ مسهبةٍ خاصةٍ يجدها طلابها في غير هذا الموضع، وعلى الله القصد وهو يهدي السبيل.

وكتبه أبو الحسن الفلسطيني

سائلًا مولاه الكريم فتحًا مبينًا ونصرًا عزيزا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت