لضرورات الحياة التي تمدها بالبقاء، ولولا هذه الضرورات لهلكت الأرض ومادت السماوات وفسد الكون، ولهذا أراد الله للكون والحياة أن تسير وفق سننٍ منضبطةٍ ومعروفةٍ {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} ، و {يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} ، والسنن التي ندرك جميعًا أنها أشد تأثيرًا في الكون والحياة والتي تأخذ الحظ الأوفر في وضع الأمور في نصابها أو تحرفها عما أعد لها في الخلق والتدبير، هي سنن الصراع والاقتتال، وسنن الدفع والعراك، وسنن القوة والغلبة، وسنن السلطة والقيادة وفي هذا خبر نبينا عليه الصلاة والسلام في أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فعلى مدار هذه السنن تقوم كثيرٌ من سنن الحياة الباقية والتي تتراوح بين الإصلاح والإعمار في الأرض إن كانت الغلبة لأهل الإيمان، وبين الإفساد والإهلاك في الأرض إن كانت الغلبة والشوكة لأهل الباطل، والجهاد هو عملٌ وتكليفٌ ربانيٌّ أُمرت به أمةٌ من البشر لغاية القيام بواجب الموازنة بين تلك السنن الربانية وإقامتها على وجهها الذي أراده الله عزّ وجلّ فتَنصلِحَ أحوال هذا العالم ويستقيم أمره على المنهج الربانيِّ الذي خُلق لأجله، وعندما نريد أن نحلِّل طبيعة هذا النوع من الحركة البشرية .. حركة التدافع والاقتتال والصراع العنيف، لا بد من الرجوع إلى مكونات ودوافع هذه الحركة، التي تعطيها حجمها وقدرها من التأثير في الواقع والتغيير فيه، فإذا ما تأملنا تلك الدوافع نستطيع عندها أن نتنبأ بقدرة هذه الحركة على الاستمرار والبقاء والتغيير، ونستشف من وراء الأحداث ما يمكن أن نعتبره نتيجةً محتملةً في هذا الصراع الذي لا بدَّ أن يُحسم بحكم الضرورة.