الصفحة 36 من 573

منه فسمعتها قالت له: كذبت والله. والله ما أدري ما قال لها وما أكذبته فيه. فلبث قليلًا ثم جاءني ومعه قارورة فيها دهن، وقلائد. فقال لي: هذا دهن طيب أتحفتنا به مي، وهذه قلائد لجوذر، ولا والله لا أقلدهن بعيرًا أبدًا. وشدهن بذؤابة سيفه ثم انصرفنا، فكان يختلف إليها حتى تقضى الربيع ودعا الناس المصيف، فأتاني فقال: يا عصمة، قد رحلت مي، ولم تبق إلا الآثار، والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر في ديارها، ونقفو آثارها. فخرجنا حتى أتينا منزلها، فوقف ينظر ثم قال:

ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلًا بجرعائك القطر

قال عصمة: فما ملك عينيه، فقلت: مه. فانتبه وقال: إنى لجلد وإن كان مني ما ترى. قال: فما رأيت أحدًا كان أشد منه يومئذ صبابة ولا أحسن عزاء وصبرًا، ثم انصرفنا وتفرقنا، وكان آخر العهد به.

أخبر نا محمد بن الحسن ثنا أبو العباس: في قوله عز وجل:"من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه"قال أبو العباس: أصل الحرث حرث الأرض، وهو ها هنا العمل.

وأنشدنا أبو العباس:

فجال علينا بإبريقه ... مخضب كف بفرصادها

يقول: كفه مخضوبة بمثل التوت.

فباتت ركاب بأكوارها ... وخيل لدينا بألبادها

لقوم فكانوا هم المنفدين ... شرابهم قبل إنفادها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت