الصفحة 3 من 9

وقد نص أهل العلم من السلف ومن بعدهم على أن المرحلة الأخيرة ناسخة لما قبلها من المراحل، قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (البقرة: 109) : (( فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم حتى تكون كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة أو يؤدوا الجزية عن يد صغارًا ) ). ثم نقل رحمه الله القول بالنسخ عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس (1) .

وكذا نقل الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} . (البقرة: 109) ، نقل القول بالنسخ عن ابن عباس ثم قال: (( وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: {حتى يأتي الله بأمره} ... ) ) (2) .

وقال ابن عطية في تفسيره لآية السيف: (( وهذه الآية نسخت كل موادعة في القرآن أو ما جرى مجرى ذلك، وهي على ما ذكر مائة آية وأربع عشرة آية ) ) (3) .

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} . (البقرة: 109) : (( هذه الآية منسوخة بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون} ، إلى قوله: {صاغرون} ، عن ابن عباس وقيل: الناسخ لها: {فاقتلوا المشركين} ... ) ) (4) .

وقال في تفسير قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (التوبة: 73) : (( وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصفح ) ) (5) .

وقال ابن حزم: (( ونُسخ المنع من القتال بإيجابه ) ) (6) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ... فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم ) ) (7) .

وقال السيوطي: (( قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} : هذه آية السيف الناسخة لآيات العفو والصفح والإعراض والمسالمة، واستدل بعمومها الجمهور على قتال الترك والحبشة ) ) (8) .

وقال أيضًا: (( كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف ) ) (9) .

وقد نقل الإجماع على القول بالنسخ غير واحد من أهل العلم:

فقد قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} . (الجاثية: 14) : (( وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك ) ) (10) .

وقال الجصاص في قوله تعالى: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعلنا لكم عليهم سبيلًا} (النساء: 90) : (( ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ذكرنا ) ) (11) .

وقال الشوكاني: (( أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية ... وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم ) ) (12) .

ونقل الإجماع أيضًا صديق حسن خان بنفس ألفاظ الشوكاني دون أن ينسب القول إليه (13) .

ومما ينبغي أن يعلم أن المقصود بالنسخ هنا أن قتال المشركين صار واجبًا بعد أن كان منهيًا عنه أو مأمورًا به لرد العدوان فقط، أي أن المنسوخ هو الاقتصار على الدعوة اللسانية والاقتصار على جهاد الدفع، بحيث صار قتال المشركين واجبًا وإن لم يبدؤونا بالقتال، هذا مع بقاء القتال الدفاعي وبقاء الدعوة والجدال بالتي هي أحسن.

وإنما نبهت إلى ذلك لأن بعض المعاصرين ممن يزعم أن القتال شرع في الإسلام للدفاع فقط يقول إن معنى ما ذكرتموه من استقرار الأمر عند فرضية ابتداء الكافرين بالقتال أنكم تمنعون الدعوة وتكرهون الناس على الدخول في الإسلام، وليس الأمر كذلك فالدعوة والجدال بالتي هي أحسن باقيتان، لكن أضيف إليهما القتال إن أبى المدعوون الدخول في الإسلام أو دفع الجزية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخة بآية السيف لاعتقاد أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط؛ فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضًا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس ... ومناقضة قوله لهم كفوا أيديكم عن القتال لقوله(قاتلوهم) ، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} . (النساء: 77) ، فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم، فأما قوله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} (النحل: 125) ، وقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} . (العنكبوت: 46) ، فهذا لا يناقض الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم، ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة )) (14) ، ثم ذكر رحمه الله وجوهًا في الجمع بين الأمر بالجدال والأمر بالقتال قال في آخرها: (( الوجه الخامس هو أن يقال إن المنسوخ هو الاقتصار على الجدال ) ) (15) .

ومع أن النصوص الشرعية قد دلت على نسخ المراحل السابقة على مرحلة الأمر بالبدء بقتال الكافرين إلا أننا قد وجدنا من المعاصرين من يقول: إن هذا ليس من باب النسخ، وإن أحكام الجهاد التي وردت بها النصوص كلها محكمة، وإنما هي أحكام مرحلية يلزم اتباع كل منها عند وجود الظرف المشابه للمرحلة التي نزلت فيها (16) ، ثم يبني البعض على ذلك أنه بما أننا الآن في عصر استضعاف يشبه العصر المكي فإنه يلزمنا العمل بأحكامه من العفو والصفح وعدم القتال.

ولا نعلم لأولئك المعاصرين سلفًا فيما ذهبوا إليه من عدم نسخ المراحل السابقة إلا ما ذكره الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة (794) في كتابه البرهان في علوم القرآن، وما ذكره الحافظ السيوطي المتوفى سنة (911) في كتابه الإتقان في علوم القرآن.

أما الزركشي فقد قال: (( قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب ... الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسء كما قال تعالى: {أو ننسئها} فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقتٍ ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا، وإلى هذا أشار الشافعي في الرسالة إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة(17) ثم ورد الإذن فيها فلم يجعله منسوخًا بل من باب زوال الحكم لزوال علته حتى لو فجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي، ومن هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} الآية، كان ذلك في ابتداء الأمر فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ) عاد الحكم )) (18) .

فالزركشي هنا يرى أن التغير الذي طرأ على أحكام الجهاد ليس بنسخ ويعتبره من قبيل زوال الحكم بزوال علته ويسميه نسأً.

وأما السيوطي فقد اعتمد قول الزركشي في النسء حتى إنه نقل جل كلامه - الذي نقلناه عنه آنفًا - دون أن ينسبه إليه (19) .

هذا مع أن لكلٍ من الزركشي والسيوطي قولًا آخر يقولان فيه بالنسخ، فأما السيوطي فقد مر قريبًا أنه يقول بالنسخ في كتابيه الإكليل والتحبير.

وأما الزركشي فإنه يقول في موضع آخر من البرهان: (( ويجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخًا وذلك كقوله: {لكم دينكم ولي دين} نسخها بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ، ثم نسخ هذه أيضًا بقوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد} ، وقوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} وناسخه قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ثم نسخها: {حتى يعطوا الجزية} ... ) ) (20) .

فقد أقر الزركشي رحمه الله بأن آية السيف ناسخة لآيات الصفح والعفو، وزاد على ذلك أن جعل آية السيف منسوخة بآية سيف أهل الكتاب (21) .

وإذن فقد اختلف قول الزركشي في هذه المسألة ومثله السيوطي فمرة قالا بالنسخ ومرة قالا بالنسء، ومع ذلك فقد اعتمد بعض المعاصرين قولهما بالنسء ولم ينتبهوا إلى قولهما الآخر مع أنه الموافق لقول جماهير أهل العلم من السلف والخلف.

(1) انظر تفسير الطبري: (2/ 503) 504).

(2) تفسير القرآن العظيم (1/ 154) .

(3) تفسير ابن عطية: (6/ 412) .

(4) الجامع لأحكام القرآن: (2/ 71) .

(5) المصدر السابق: (8/ 205) .

(6) الإحكام في أصول الأحكام (4/ 82) .

(7) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (1/ 66) .

(8) الإكليل في استنباط التنزيل: (ص: 138) .

(9) التحبير في علم التفسير: (ص: 432) .

(10) تفسير الطبري: (25/ 144) ط دار الفكر، بيروت.

(11) أحكام القرآن (2/ 222) .

(12) السيل الجرار (4/ 518) 519).

(13) انظر الروضة الندية (2/ 333) .

(14) الجواب الصحيح: (1/ 66) .

(15) المصدر السابق: (1/ 74) .

(16) من أولئك المعاصرين رشيد رضا في تفسير المنار (10/ 166) ، والزرقاني في مناهل العرفان (2/ 150) .

(17) الذي بالمطبوعة (من أجل الرأفة) وما أثبته أصوب لأن المقصود هو قوله صلى في الحديث المشار إليه: (إنما نهيتكم من أجل الدافة) والحديث أخرجه مسلم (1971) وأبو داود (2812) والنسائي (7/ 235) من حديث عائشة، والمراد بالدافة هنا قوم من ضعفاء الأعراب وفدوا إلى المدينة للمواساة. [انظر شرح صحيح مسلم للنووي (7/ 148) ] .

(18) البرهان في علوم القرآن (2/ 41) 43).

(19) انظر الإتقان في علوم القرآن (2/ 28) .

(20) البرهان (2/ 31) .

(21) والأرجح والله أعلم أن قوله (حتى يعطوا الجزية عن يد) ليس ناسخًا لآية السيف بل هو مخصص لها كما بينه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن (1/ 110) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت