الصفحة 9 من 9

لنفسي حياة مثل أن أتقدما ... ما من شك في أن المسلمين يمرون في هذا العصر بحال من الضعف وتسلط الأعداء شديد، وهم لا يملكون من القوة والعتاد ما يمكنهم من البدء بقتال الكافرين وتحقيق النصر عليهم، لكنهم مع ذلك لا يزالون يملكون من القوة والسلاح ما يمكِّن بعضَهم من الاستمرار في الجهاد ولو بمعناه الدفاعي، وذلك حسبما بينته أحاديث الطائفة المنصورة التي سبق ذكرها.

ومن أمضى الأسلحة التي لا يزال يملكها المسلمون سلاح الشهادة، ذلك السلاح الذي لا يزال مع قدمه يطاول أعتى ما اخترعته قوى الشر من وسائل الفتك وأدوات التدمير.

إنه السلاح الذي لا يمكن لتقنيتهم أن تخترع له مضادًا، ولا يمكن لوسائلهم الشيطانية أن تبطل أثره ومفعوله.

وقد دلت النصوص كما أسلفنا على جواز التغرير بالنفس طلبًا للشهادة ورغبة في إحداث نكاية في عدو أو تحقيق مصلحة للمسلمين، وقِصار النظر هم الذين لا يرون في ذلك إلا نوعًا من الإلقاء باليد إلى التهلكة.

أما أهل العلم والفقه فيعلمون أن إهلاك النفس في سبيل الله هو السبيل إلى إحيائها الحياة الحقيقية، كما قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} . (آل عمران: 169) .

ولقد أحسن القائل:

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد

يكن لرد قضاء الله سبيل ... ولذا فإن الله عز وجل حين سمى نبيه يحيى بهذا الاسم، أراد أن يهبه من الحياة ما يتوافق به الاسم مع المسمى، فلم يكن أبلغ في ذلك من أن يختار له الشهادة، ليرزقه الحياة الكاملة (1) .

ولما علم السلف الكرام عظم مكانة الشهادة في الإسلام تسابقوا لنيلها وإن كانوا ممن عذر الله، قال القرطبي: (( قال العلماء: فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار وما صبرت القلوب؛ فخرج ابن أم مكتوم إلى أُحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} ، هذه عزائم القوم، والحق يقول: {ليس على الأعمى حرج} وهو في الأول، {ولا على الأعرج حرج} ، وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله قد عذرك فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة ) ) (2) .

وفي فضل الشهادة والشهيد يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (( لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا نثبت هذه الدعوى إلا ببينة {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الرسل في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة وقيل لا نقبل العدالة إلا بتزكية {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} ، فتأخر أكثر المدعين للمحبة وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المتحابين وأموالهم ليست لهم فسلموا ما وقع عليه العقد ف {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} ، وعقد التبايع يوجب التسليم من الجانبين، فلما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من جرى عقد التبايع على يديه ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد، عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السلع فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وشهوتها وتبقى تبعتها وحسرتها فإن فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاء واختيارًا من غير ثبوت خيار وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا والآن فقد رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعاف أموالكم معها، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ، لم نبتغ منكم بنفوسكم وأموالكم طلبًا للربح عليكم بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاء عليه أجل الأثمان ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن ... فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق فقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ووفق لتكميل العقد وقبل المبيع على عيبه وأعاض عليه أجل الأثمان واشترى عبده من نفسه بماله وجمع له بين الثمن والمثمن وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد وهو الذي وفقه له وشاءه منه ) ) (3) .

وتالله لو لم يكن للشهادة من فائدة إلا نيل رضا الله والجنة لكان ذاك سببًا كافيًا للحرص عليها والعمل على نيلها، ومع ذلك فإن حوادث التاريخ والواقع يدلان على أن للتضحية بالنفس أكبر الأثر في الحط من عزيمة الأعداء وإشعارهم بالهزيمة، وبالأمس القريب، رأينا أمريكا بكل قوتها وجبروتها تفر هاربة من لبنان على إثر بضع عمليات ضحى فيها أفراد بأنفسهم، وساعتها لم تستطع أقوى دولة في العالم أن تصمد في وجه بضعة أفراد يريدون الموت في سبيل قضيتهم، وسمع العالم كله الرئيس الأمريكي ريجان وهو يصرخ: (( You can not prevent somebody from killing himself ) (( إنك لن تستطيع أن تمنع شخصًا ما من أن يقتل نفسه ) ) .

فيا أيها المعتدلون المتريثون:

لا بأس أن تبقوا على تريثكم واعتدالكم، ولكن أفسحوا الطريق لطلاب الشهادة الساعين في تكميل مهر الحور العين، فإن لم تكونوا لهم مُعينين فلا أقل من أن لا تكونوا من المثبطين المخذلين، وإلا فلستم من الناصحين المحسنين الذين عذرهم الله في قعودهم وترْكهم جهاد الكافرين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

(1) تأمل هذا المعنى وقارنه بحال من سمى ولدًا له يحيى، رجاء أن يحيا وتطول به حياة، لكنْ لما لم يكن يملك أن يحقق له الحياة فعلًا فقد مات الوليد، وأنشأ الأب المكلوم يقول:

وسميته يحيى ليحيا فلم

ومن نسبة الفضل إلى أهله أن أقول إني استفدت هذا المعنى من الشيخ الشعراوي رحمه الله في أحد أحاديثه.

(2) الجامع لأحكام القرآن: (8/ 226) .

(3) زاد المعاد: (2/ 60) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت