لما كان كلام الزركشي هو الأصل الذي اعتمد عليه من بعده بمن فيهم السيوطي فقد أحببت أن أنبه على عدة ملاحظات مهمة تتعلق بما ذكره في هذه القضية، وطريقته في تقرير ما ذهب إليه، وبيان تلك الملاحظات فيما يلي:
أولًا: الفرق بين العلة وحكمة النسخ:
عرَّف الزركشي النسء بأنه الأمر بالشيء لسبب ثم إذا زال السب أُمر بغيره، وأشار إلى أن تغير الحكم حينئذ لا يعد نسخًا وإنما هو من باب زوال الحكم لزوال علته.
والذي ينبغي التنبيه إليه أن هناك فارقًا بين علة الحكم، وبين حكمة النسخ أو سبب التدرج في الأحكام.
فالعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي بني عليه الحكم ويدور معه وجودًا وعدمًا، أما حكمة النسخ والتدرج فيُقصد بها الحِكَم والأسباب التي لأجلها وقع تشريع ما في وقت ما، فإنه ما من حكم نُسخ إلا وقد كان هناك سبب لمشروعيته أولًا، ثم لما زال السبب نُسخ هذا الحكم، لأن الله لا يشرع شيئًا عبثًا بل لكل أمر حكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها.
وكذلك القول في تأخير نزول بعض الأحكام فإنه لابد وراء ذلك من أسباب وحِكَم، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر اختلاف السلف في المقصود بالنسء في الآية الكريمة، ثم قال: (( والصواب قول من فسر {أو ننسأها} أي نؤخرها عندنا فلا ننزلها، والمعنى: أن ما ننسخه من الآيات التي أنزلناها، أو نؤخر نزوله من الآيات التي لم ننزلها بعد {نأت بخير منها أو مثلها} ، فكما أنه يعوضهم من المرفوع يعوضهم من المنتظر الذي لم ينزله بعد إلى أن ينزله، فإن الحكمة اقتضت تأخير نزوله فيعوضهم بمثله أو خير منه في ذلك الوقت إلى أن يجيء وقت نزوله فينزله أيضًا مع ما تقدم ) ) (1) .
وإذن فلابد أن هناك حِكَمًا عظيمة اقتضت تشريع بعض الأحكام ثم نسخها، أو تأخير نزولها إلى حين.
ولكن ذلك لا يعني القول بعودة الأحكام السابقة عند وجود تلك الحكم كما هو الحال بالنسبة للعلة.
ويحسن هنا أن أضرب أمثلة تبين الفارق بين العلة وحكمة النسخ.
فمثال العلة: النهي عن قتل النساء كما في قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى امرأة مقتولة: (ما كانت هذه لتقاتل) ، وكان على المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلًا فقال: (قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا) (2) .
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل امرأة من بني قريظة لقتلها رجلًا من المسلمين (3) .
وليس أحد الأمرين ناسخًا للآخر لأن النهي عن قتل النساء جاء في الحديث معلَّلًا بعلةٍ هي عدم كونهن من أهل القتال، ولذلك فقد وقع الإجماع على أن المرأة إن شاركت في القتال حقيقة أو حكمًا قوتلت وقُتلِت، فهذا مثال لكون الحكم معللًا بعلة يزول بزوالها، ومثله ما أشار إليه الزركشي من النهي عن ادخار لحوم الأضاحي على اختلاف في ذلك يأتي بيانه قريبًا بمشيئة الله.
وأما حكمة النسخ فمن أمثلتها: التدرج في تحريم الخمر، فنحن نعلم أنها لم تكن محرمة أول الأمر ثم حرمت وقت الصلاة فقط ثم حرمت تحريمًا كليًا وكان هذا الحكم ناسخًا لما قبله، ولا شك أن عدم تحريمها أول الأمر له أسبابه التي يوضحها مثل قول عائشة رضي الله عنها: ( ... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا ... ) (4) .
فعائشة رضي الله عنها تبين السبب في تأخير نزول الأحكام ومنها تحريم الخمر، وهو أن الناس في بدء إسلامهم لم يكونوا مهيئين لذلك، وأنه كان من الحكمة الإلهية أن يؤخر نزول الأحكام إلى ما بعد اطمئنان نفوسهم بالتوحيد ومعرفة الجنة والنار، قال الحافظ ابن حجر: (( فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها، وذلك لما جبلت عليه النفوس من النفرة من ترك المألوف ) ) (5) .
ولكن هذا السبب الذي ذكرته أم المؤمنين لتأخير نزول الأحكام لا يعني أنه إن عاد ذلك السبب عاد الحكم كما كان أولًا، فإذا دخل اليوم في الإسلام أحد الغربيين ممن اعتاد الخمر وألفها إلْف العرب لها في الجاهلية أو أشد، فإنه لا يجوز أن نتدرج معه في تحريم الخمر، بل هو مطالب من أول يوم دخل فيه الإسلام بالعمل بآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا الرجل قد وُجد فيه نفس السبب الذي كان لأجله التدرج في تحريم الخمر.
ومن أمثلة حكمة النسخ كذلك: النهي عن زيارة القبور ثم الترخيص فيها بعد ذلك: فقد قال صلى الله عليه وسلم: (نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ... ) (6) .
فقد كان النهي عن زيارة القبور لسبب فلما زال السبب شرعت الزيارة، فقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (( كان في أول الإسلام قد نهي عن زيارة القبور، صيانة لجناب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها، كما قال ابن عباس، فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة ) ) (7) .
لكن هذا الذي ذكره ابن القيم ليس بيانًا للعلة التي يدور معها النهي عن زيارة القبور وجودًا وعدمًا، بل هو من قبيل بيان الحكمة التي كان من أجلها النسخ، ولذلك فإنه إذا أسلم قوم ممن تعودوا قبل إسلامهم تقديس القبور فإنه لا يصح أن نحرم عليهم زيارة القبور إلى أن يقوى إسلامهم فنبيحها لهم، وكذلك لا يجوز أن يحملنا على المنع من زيارة القبور ما نراه من تعظيم كثير من الجهال للقبور، وسؤالهم أهلها قضاء الحاجات وتفريج الكربات.
ونحن نعلم أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قد قامت على تصحيح العقيدة وإزالة المظاهر الشركية، ومن أبرز ما حاربته تلك الدعوة شرك القبور الذي كان سائدًا في أرض الجزيرة وقتذاك، ومع ذلك لم نسمع أن الشيخ أو أحدًا من تلاميذه قد حرَّم زيارة القبور مع أن المعنى الذي كان لأجله النهي في أول الإسلام كان موجودًا في عصرهم.
وإذا كان الأمر كذلك فهل القول بأن ضعف المسلمين كان هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في مكة، هل هو من قبيل العلة التي تدور معها مشروعية الجهاد وجودًا وعدمًا؟ أم هو من قبيل حكمة النسخ والتدرج في الأحكام؟
إن الصحيح - والله أعلم - أن ذلك من قبيل حكمة النسخ وليس من قبيل العلة؛ لأن العلة التي شرع لأجلها الجهاد هي إعلاء كلمة الله، وقد دلت النصوص الشرعية على أن علة قتال الكفار هي كفرهم كما قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (التوبة: 5) . وقال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39) وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) .
فهذه النصوص وغيرها تبين أن الكفار يقاتلون لأجل كفرهم؛ فقد رتبت الآيات والأحاديث القتال على كونهم كفارًا، قال القرافي - رحمه الله: (( ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك ... وترتيب الحكم على الوصف يدل على عِلِّيَة ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم عِلِّية غيره ) ) (8) .
وإذن فالعلة التي يدور معها وجوب الجهاد وعدمه ليست هي قوة المسلمين وضعفهم، حتى يطلق القول بأن الكف والصفح واجب حال الضعف، وإنما العلة متعلقة بوجود الكفر وبكون الدين ليس كله لله، فيجب القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ومع هذا الذي أوضحناه فإنه قد تكون هناك علة معينة لتشريع ما ومع ذلك يبقى ذلك التشريع حتى مع زوال علته، ومثال ذلك مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف فإن ذلك كان قد شرع لسبب وهو إظهار قوة المسلمين حين قال المشركون عن المسلمين يوم عمرة القضاء: (إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم) (9) .
ومع زوال المعنى الذي شرع لأجله الرمل إلا أنه بقي سنة ثابتة كما قال عمر رضي الله عنه: (ما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله. ثم قال: شيء صنعه النبي صلى فلا نحب أن نتركه) (10) .
قال الإمام الخطابي: (( وفيه دليل على أن النبي قد يسن الشيء لمعنى فيزول ذلك المعنى وتبقى السنة على حالها ) ) (11) .
وما ذلك إلا لأن التدرج في نزول الأحكام أو تشريع بعضها لسبب إنما كان مرتبطًا بعصر التشريع، أما العمل بتلك الأحكام فالأصل فيه أننا مطالبون من الدين بما مات عليه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم حتى لو علمنا أن لتشريع ذلك الأمر سببًا قد زال، إلا أن تدلنا مسالك العلة التي بينها الأصوليون على أن هناك علة معينة لتشريع معين فهنا يدور الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا.
قال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله بعد أن ذكر أمثلة على التدرج في نزول الأحكام: (( ومن هنا يتبين كيف كان التدرج في سن الأحكام مما اقتضى السكوت على أحكام قائمة ثم تحريمها من بعد، واقتضى تقرير أحكام تكون علاجًا لحالة وقتية، ثم أنهاها بالنسخ بعد ذلك حتى إذا تمت الشريعة نزولًا بقيت محكمة إلى يوم القيامة وقد تمت بنزول قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} ) ) (12) .
ثانيًا: الفرق بين قضية الجهاد وقضية لحوم الأضاحي:
شبَّه الزركشي قضية الجهاد بقضية لحوم الأضاحي، حيث نهى صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ثم رخص في الادخار بعد ذلك، فلم يعتبر الشافعي ذلك نسخًا بل اعتبره من باب زوال الحكم لزوال علته.
ولابد أن نعلم أولًا أن ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله ليس مجمعًا عليه بل إن جمهور أهل العلم على القول بنسخ النهي لأن الرخصة كانت آخر الأمرين، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله (13) .
بل إن من أهل العلم من وافق على أن تحريم ادخار الأضاحي كان لعلة الدافة، فلما زالت العلة زال الحكم، لكنه قال إنه لا يلزم عود الحكم عند عود العلة، حكى ذلك الرافعي عن بعض الشافعية كما في فتح الباري (14) ، قال الحافظ: (( واستبعدوه، وليس ببعيد؛ لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة لم تستد يومئذ إلا بما ذكر، أما الآن فإن الخلة تستد بغير لحم الأضحية فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تستد إلا بلحم الأضحية وهذا في غاية الندور ) ) (15) .
ورجح بعض المعاصرين أن النهي عن الادخار كان بحكم كونه صلى الله عليه وسلم إمامًا لا مشرِّعًا، فهو من قبيل تصرف الإمام في ما يراه أصلح للرعية وليس من قبيل التشريع العام (16) .
والشافعي نفسه قد تردد في هذه المسألة: فقد قال بهذا الذي ذكره عنه الزركشي في الرسالة (17) ، لكن له قول ثانٍ ذكره في نفس الموضع، وهو كون النهي منسوخًا على كل حال أي كقول الجمهور، وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية كما ذكر الحافظ في الفتح (18) ، بل إن للشافعي في المسألة قولًا ثالثًا وهو أن النهي جاء على معنى الاختيار لا الفرض (19) .
والمقصود أن القضية التي اعتبرها الزركشي أصلًا في المسألة ليس مسلمًا فيها القول بأنها من قبيل زوال الحكم لزوال علته فأكثر العلماء على الأخذ بآخر الأمرين دون النظر إلى مسألة العلة التي كان لأجلها النهي أولًا.
ثم إنه على القول الأول للشافعي رحمه الله فإن هناك اختلافًا بيِّنًا بين قضية الجهاد وقضية النهي عن ادخار لحوم الأضاحي؛ ففي قضية الأضاحي اعتمد الشافعي رحمه الله على قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) (20) ، فالحديث قد ذكر العلة التي كان من أجلها النهي وهي وجود القوم المضرورين، وعليه يدور الحكم مع هذه العلة وجودًا وعدمًا، فيجوز الادخار فوق ثلاث عند عدم وجود محتاجين، ولا يجوز عند وجودهم.
أما في قضية الجهاد فإن الأمر مختلف وذلك من وجهين اثنين:
الأول: أن القول بأن ضعف المسلمين هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في مكة ما هو إلا اجتهاد من بعض أهل العلم، وهو وإن كان اجتهادًا صحيحًا إلا أنه ليس نصًا نبويًا كما هو الحال في قضية لحوم الأضاحي، ولذلك فإنه يمكن إضافة حِكَمٍ وأسبابٍ أخرى لهذا الأمر بحسب ما يفتح الله على بعض عباده، وقد أشار ابن كثير إلى أن ضعف المسلمين لم يكن هو السبب الوحيد في عدم مشروعية الجهاد في مكة وذلك حيث يقول: (( كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار ) ) (21) .
كما أشار رحمه الله إلى سبب آخر في تفسير قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} (الجاثية: 14) حيث قال: (( أي ليصفحوا عنهم ويتحملوا الأذى منهم، وكان هذا في ابتداء الإسلام أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب ليكون ذلك كالتأليف لهم ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد، هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ) ) (22) .
وقال أيضًا: (( وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم ... فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه شرع الله جهاد الأعداء ) ) (23) .
وللأستاذ سيد قطب - رحمه الله - كلام في هذه المسألة أضاف فيه إلى قضية الضعف ست حِكم أخرى حيث قال ما ملخصه:
ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد ومن أهداف تلك التربية تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره.
وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد.
ربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة تعذب المؤمنين بل كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه.
ربما كان ذلك لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله المخلصين.
وربما كان ذلك لأن النخوة العربية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم، فابن الدغنة مثلًا لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب، وعرض عليه جواره وحمايته.
وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة ويبقى الشرك.
في الوقت ذاته لم تكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا وهو وجود الدعوة في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع (24) .
وكان الأستاذ سيد قد قدم لذلك بمقدمة ذكر فيها أن ما سيقوله في ذلك ما هو إلا اجتهاد يخطيء يصيب وأنه قد يكون وراء ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله، وأن شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم لم يبين الله سببه محددًا جازمًا حاسمًا أنه (( مهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف ... فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله - بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله نصًا، وليس وراءها شيء وليس من دونها شيء فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله ... ) ) (25) .
فالأمر كله مجرد اجتهاد ولا يمكن القطع بأن الضعف هو وحده السبب في عدم مشروعية الجهاد في العصر المكي.
ومعنى ذلك أن هناك أمورًا عدة يمكن اعتبارها عند البحث عن الأسباب التي لأجلها منع القتال في العصر المكي، فلماذا يعتبر الضعف وحده علة يدور معها الأمر بالكف والصفح وجودًا وعدمًا؟
فهذا هو الوجه الأول الذي نفرق به بين قضية الجهاد وقضية لحوم الأضاحي.
وأما الوجه الثاني: فهو ما سبقت الإشارة إليه من أن القول بأن ضعف المسلمين هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في العصر المكي هو بحث في حكمة التدرج في التشريع لا في علة الحكم، فهو كقول عائشة في بيان سبب تأخير نزول الأحكام، فعائشة لا تتكلم عن علة تحريم الخمر والزنا وغيرهما من الأحكام، ولا تتكلم حتى عن الحكمة من تشريع تلك الأحكام، وإنما تتكلم عن الحكمة من تأخير نزول هذه الأحكام، وقد بينا من قبل أن هذا الذي ذكرته عائشة لا يمكن أن يكون هو العلة التي يدور معها الحكم وجودًا وعدمًا، وكذلك يصح القول في قضية الجهاد إن ضعف المسلمين في العصر المكي هو الحكمة من عدم تشريع الجهاد في ذلك العصر، لكن ذلك ليس هو العلة التي يدور معها وجوب الجهاد وجودًا وعدمًا.
ثالثًا: شرط القدرة:
أطلق الزركشي القول بأنه في حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر كما كان الحال في العصر المكي، ونحن نعلم أن القدرة شرط في وجوب الجهاد، لكن القول بأنه يجب في حال الضعف العودة إلى العفو والصفح يعني أن القدرة شرط في صحته أيضًا فيحرم القتال حال الضعف، وهذا فيه نظر من وجوه.
1)أولها أن الذي دلت عليه النصوص الشرعية أن غير القادر إن تكلف الجهاد فجاهد فلا شيء عليه حتى لو أدى ذلك إلى قتله وعدم تحقيق الظفر على الأعداء متى كان في ذلك مصلحة شرعية كإحداث نكاية في العدو أو بث للرعب في قلوبهم أو تجرئة لقلوب أهل الإيمان أو نحو ذلك.
والأدلة على ما ذكرناه كثيرة:
أ) منها ما جاء في قصة عاصم بن ثابت لما (بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس نفر من أصحابه إلى عضل والقارة، فخرج عليهم قرابة مائة رام، فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر .. ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل ... ) (26) .
فلا شك أن قدرة عاصم ومن معه لم تكن تبلغ أن يقاتلوا مئة رام، وقد كان لهم مندوحة في ترك القتال، ومع ذلك أبى عاصم رضي الله عنه إلا أن يقاتلهم فقاتلهم حتى قتل.
ب) ومنها ما ورد في قصة عمرو بن الجموح رضي الله عنه، فقد (كان رجلًا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا إن الله قد عذرك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد) (27) .
وعن أبي قتادة قال: (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة - وكانت رجله عرجاء - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقتلوه يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كأني انظر إليه يمشي برجله هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد) (28) .
والشاهد من قصة عمرو بن الجموح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له في القتال مع كونه أعرج والأعرج معذور بنص القرآن الكريم فهو لا يجب عليه الجهاد.
ج) ومن تلك الأدلة حديث سلمة بن الأكوع حين أغار عبد الرحمن الفزاري ومن معه على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبعهم سلمة بن الأكوع وحده فما زال يرميهم بنبله حتى استخلص منهم ما أخذوه، وما زال يتبعهم وهم يفرون منه ويلقون ما معهم يستخفون، فاستلب منهم منهم أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحًا، وفيه من قول سلمة: ( ... فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري .. ، قال فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن ... وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرَّم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئًا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذا قَرَد ليشربوا منه وهم عطاش قال فنظروا إليَّ أعدوا وراءهم فحليتهم عنه(يعني أجليتهم عنه فما ذاقوا منه قطرة ... ) ، وفيه من قوله صلى الله عليه وسلم: (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة) (29) .